أبو درياه في قطر.. صورة البحر الأسطوري المرعب في مخيال سكان الخليج العربي

صورة من القرن التاسع عشر التقطها المصور الفرنسي فيلكس بونفيلس لصيادين عرب يطلقون قاربهم في البحر (مواقع التواصل)
صورة من القرن التاسع عشر التقطها المصور الفرنسي فيلكس بونفيلس لصيادين عرب يطلقون قاربهم في البحر (مواقع التواصل)

عمران عبد الله

يعرف سكان المدن الساحلية أساطير مختلفة يفسرون بها أحيانا الحوادث التي تقع للبحارة في عرض البحر، أو حتى تستخدم لتخويف الأطفال من خطورته؛ وقد عرف سكان الخليج العربي "أسطورة أبو درياه" التي تعني بالفارسية "أبو البحر".

وتناولت قصص التراث الشعبي الخليجي أسطورة المخلوق الغامض الشرير الذي يعيش في أعماق المياه ويتسلل إلى مراكب الصيادين بين العشاء والفجر ليخطف أحد البحارة ويلتهمه ويهاجم السفن لتغرق، وتتناول حكايات شعبية في بلدان الخليج مغامرات البحارة وشجاعة غواصي اللؤلؤ في مواجهة جني البحر الضخم.

ولهذه القصة نسخ مختلفة في البلدان الخليجية، تشير لأهمية الصيد والغوص والبحث عن اللؤلؤ في الثقافة الخليجية، ولا سيما في قطر التي عرف فلكلور شعبها وأدبهم علاقة ملهمة وقوية مع البحر الذي كان مصدرا لمعيشة عدة أجيال من عصور ما قبل التاريخ وحتى اكتشاف النفط والغاز الحديث، بحسب مجلة مركز الدراسات العربية بجامعة بوخارست.

سيد البحار
تداول سكان الساحل في بلدان الخليج العربي روايات شعبية متعددة عن "أبو درياه"، وقصص الجني الخبيث أو الكائن ذي النصف رجل ونصف سمكة مع ذيل ضخم، والذي يعيش في مياه الخليج.

وتعتبر قصة الكائن الأسطوري نظيرا عربيا لأساطير البحار الأدبية التي اشتهرت عالميا، مثل رواية "العجوز والبحر" للكاتب الأميركي إرنست همنغواي التي حازت على جائزة نوبل في منتصف القرن الماضي، وتناول فيها قصة الصياد العجوز الذي اصطاد سمكة هائلة على مدار أيام وليالي طويلة من محاولة جلبها إلى الشاطئ.

ومثل رواية همنغواي التي كتبها في هافانا الكوبية، اشتهرت رواية هيرمان ملفيل "موبي ديك" التي تناولت أيضا الصراع بين حوت عملاق والصيادين البحارة في المحيط.

وبخلاف الصورة المشهورة في الأدب العربي عن البحر كمصدر للوحي والإلهام، تقدم الأسطورة الخليجية صورة مقابلة عن البحر المخيف المرعب الغامض الذي لم يكن اكتشفه الإنسان بعد أو تجاوز غموضه وأسراره العميقة.

أدب البحر
وبينما شكل البحر بالنسبة للعرب معبرا للتجارة والرحلات والحج أو مساحة للغزو والفتح، عرفت بلاد الخليج بتقاليد الصيد وآدابه. وقد حفظت وثائق الأرشيف البريطاني مصادر تاريخية مذهلة عن طرق وأدوات ومناطق الصيد في الخليج العربي، مع وصف تفصيلي لأنواع السفن والأسماك والسواحل الخليجية.

واعتبر اللؤلؤ صنعة خليجية، إذ عرف سكان الخليج الغوص واستخراج اللؤلؤ وتصنيعه وتجارته مع الهند وغيرها، لكن المهنة التاريخية التي شكلت مصدر دخل لسكان سواحل الخليج العربي بدأت بالضمور تدريجيا في القرن العشرين، مع ظهور اللؤلؤ الصناعي واكتشاف النفط والغاز في المنطقة.

ولأهمية الصيد واللؤلؤ، اشتهر في الأدب الشعبي الخليجي آداب وأغنيات تتناول شجاعة البحارة والصيادين ومهارة الغواصين في جمع اللؤلؤ وتجنب حيوانات البحر الخطيرة وأسماك القرش.

وكنظير عربي لأساطير فتاة البحر وعروس البحر ورجل البحر الغربية ذات الأصول اليونانية القديمة، عرف سكان الخليج العرب -ولا سيما الصيادين والبحارة والغواصين- أسطورة أبو درياه الذي وصف بأوصاف مشابهة لما عرف في التراث العربي باسم "إنسان الماء".

وفي كتابه "حياة الحيوان الكبرى"، كتب كمال الدين الدميري 1341-1405 عن إنسان الماء ذي الذنب الذي سمي أيضا شيخ البحر.

ملابس الغواص وشبك اللؤلؤ في متحف قطر الوطني (الجزيرة)

آثار قطرية
وكشفت الحفريات الأثرية في عام 1957 في جبل الجساسية على الساحل الشمالي الشرقي لقطر، ما اعتبر أول منحوتات صخرية تصور نقوشا للقوارب والمجاذيف التي تثبت الروابط القديمة بين السكان المحليين والبحر.

وفي المنحدرات الصخرية البيضاء في راس بروق على الساحل الغربي لقطر، توجد آثار لوجود بشري يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، واكتشفت في هذا الموقع آثار قديمة منها أدوات صيد مصنوعة من حجر الصوان.

وفي جزيرة بن غنام على الساحل الشرقي لقطر، وجدت آثار للصيادين المتجولين وغواصي اللؤلؤ في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانت الجزيرة بمثابة مخيم لرحلات صيد اللؤلؤ خلال الحقبة الساسانية ومركزا للصيد خلال العصور الإسلامية المتأخرة.

وتهتم قطر بالتقاليد التراثية المحلية والفولكلور الشعبي، وتقام العديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية التي تعنى بتقاليد الغوص واللؤلؤ، وكانت العلاقة بين المجتمع القطري والبحر قوية وملهمة إذ شكل البحر أفق الساحل ومصدر المعيشة لأجيال ممتدة.

المصدر : الجزيرة