في ذكرى رحيله.. نبوءات ناجي العلي على جدران رام الله

استشرف ناجي العلي الذي استشهد قبل ٣٢ عاما، الكثير من التطورات التي حصلت لاحقا وبينها هرولة العرب للتطبيع (الجزيرة)
استشرف ناجي العلي الذي استشهد قبل ٣٢ عاما، الكثير من التطورات التي حصلت لاحقا وبينها هرولة العرب للتطبيع (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

في الذكرى الثانية والثلاثين لاغتياله، أعاد شبان فلسطينيون تعليق رسومات فنان الكاريكاتير ناجي العلي على حيطان الحي القديم في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، مستعرضين أعماله التي استشرفت الحاضر السياسي بعد عقود على رحيله.

ومن بين 260 كاريكاتيرا سيشاهدها المارة معلقة لأيام عدة، ظهرت مقولات ناجي العلي "الأمريكان اعترضوا على اسمك في الوفد الفلسطيني المفاوض، اختاروك لتكون في الوفد الإسرائيلي" في نقده لخطاب السلام الفلسطيني، ثم رسم المرأة التي ترقص بشمعدان إسرائيلي يحيط بها المصفقون العرب، في إشارة إلى التطبيع العربي.

وكذلك قوله في أحد رسوماته "خلينا نجيب الحجار الصامدة في الفصائل الفلسطينية ونعمر بيتا جديدا"، في نقده للخلافات الداخلية الفلسطينية ومطلب إصلاح منظمة التحرير، التي ما زالت قائمة ومستمرة حتى بعد ثلاثة عقود على رحيله.

وعُلقت الرسومات في لوحات كبيرة تحت عنوان "للكلمة والخط المرسوم وقع أقوى من طلقات الرصاص"، وهي واحدة من مقولات ناجي العلي المعروفة.

وقال القائمون على النشاط إنه تأكيد على أهمية الثقافة المقاوِمة في مواجهة الاحتلال، واعتبارها سلاحا أعمق من الرصاص. وأشاروا إلى تميز رسومات ناجي العلي بـ"الوعي الرائد".

تقول إحدى اللافتات التي تُعرّف المارة بأعماله، إن ناجي العلي الفنان استخدم "حنظلة" بوصفه أبرز رموزه في عبور الدهر والثبات أمام كل محاولات طمس هويته وسحق شعبه وقضيته.

ويقول إسلام حسن أحد متطوعي الائتلاف الشبابي "اتحاد شباب الاستقلال" للجزيرة نت إن لوحات العلي ما زالت تشكل رمزا للمقاومة الشعبية الفلسطينية، وهو يعد من أبرز المثقفين النقاد في التاريخ الفلسطيني.

ناجي اللاجئ والفنان
وولد ناجي العلي عام 1937 في قرية الشجرة قضاء طبريا قبل أن يهجّر مع عائلته في نكبة فلسطين إلى الجنوب اللبناني، حيث استقر بهم المقام في مخيم عين الحلوة القريب من مدينة صيدا، وعاش في خيمة لا تزيد مساحتها على عشرة أمتار مربعة، وبدأ منذ صغره التعبير عن ألم اللجوء ومأساة قضيته بالرسم على حيطان المخيم.

وفي عام 1962 قام الأديب والصحافي الفلسطيني غسان كنفاني بنشر أولى لوحات العلي في مجلة "الحرية" بعد أن أعجب بها أثناء زيارة له إلى معرض رسومات أقيم في مخيم عين الحلوة.

واشتهر العلي على النطاق العربي منذ ذلك الحين من خلال شخصية الطفل "حنظلة" التي ابتدعها عام 1969 عندما كان يعمل في صحيفة "السياسة" الكويتية.

و"حنظلة" الطفل ابن العاشرة الذي قال عنه العلي إنه لن يكبر إلاّ بعد عودته إلى فلسطين موطنه الأصلي، والذي يظهر دائما مديرا ظهره عاقدا يديه خلفه، لأنه يرفض التسليم بأي محاولة احتواء أو مساومة على قضيته.

في 22 يوليو/تموز 1987، أطلق مجهول النار على ناجي العلي في لندن بالقرب من مقر صحيفة "القبس"، ودخل على أثرها في غيبوبة حتى وفاته يوم 29 أغسطس/آب 1987، دون أن تحدد رسميا حتى اليوم الجهة التي كانت وراء اغتياله.

الاستشراف في رسومه
يقول وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف للجزيرة نت إن ناجي كان حالة استثنائية بين جيله الذي أسماه الأديب أحمد دحبور "جيل الذبيحة"، الذي ذبحت أحلامه في عذابات النكبة.

وفي معظم رسوماته، استشرف ناجي العلي المستقبل الفلسطيني والعربي، لكن حنظلة الذي يدير ظهره على الدوام لكل ما يقود إلى التآمر على فلسطين، كان الرمز الأهم لرؤيته التي توقعت ما يحيق بالقضية الفلسطينية.

يقول أبو سيف إن الأزمات التي عبأت القضية الفلسطينية سابقا ولاحقا ظهرت في رسوماته، كتخاذل الإقليم المحيط، وألم الشتات، وتمزق العائلة الفلسطينية.

وكان الإعلامي والباحث خالد الفقيه قد أعد بحثا حول الرموز في رسومات ناجي العلي، وقال إنه امتلك نبوءة واستشرافا للعديد من المحطات السياسية وأبرزها تنبؤه بالانتفاضة الشعبية الأولى التي انطلقت بعد شهور من اغتياله عام 1987، حتى إنه توقع من خلال رسوماته أن يكون مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة نابلس إحدى بؤر هذه الانتفاضة المهمة، وكان ذلك.

وكان من أوائل المحذرين من بناء حكم ذاتي للفلسطينيين مقابل السلام مع إسرائيل، وفي أحد رسوماته عبر عنه باللباس الذي سيعري القضية الفلسطينية، وجاء اتفاق أوسلو بعد اغتياله بست سنوات (1993).

وتنبأ العلي بالتكالب على قوى المقاومة، وبالظاهرة التكفيرية التي انتشرت في العالم العربي، وكذلك بالفرقة الطائفية في العديد من الدول العربية. وبشكل مسبق أيضا، رسم ناجي العلي مستشرفا انهيار المعسكر الاشتراكي رغم كونه أحد حملة هذا الفكر.

يقول الفقيه للجزيرة نت إن "ناجي دفع ثمن جرأته ونبوءاته للمستقبل"، ولذلك اتهمت أكثر من سبع عشرة جهة فلسطينية وغيرها باغتياله لأنه رفض المساومة والصمت. ولهذا لم يأتِ من يسد الفراغ الذي تركه في الرسم الكاريكاتيري النقدي الجريء.

اختار ناجي تعريف نفسه بالقول "أنا أرسم لفلسطين"، ورد على التهديدات لإسكاته قائلا "لو ذوّبوا يدي بالأسيد سأرسم بأصابع رجلي".

وتعبيرا عن استمرار تأثير رسوماته، ما زالت شخصية "حنظلة" التي وقّع بها أعماله رمزا لمعظم الحركات الثورية في فلسطين وخارجها، وهي شعار حركة مقاطعة إسرائيل عالميا (بي دي أس).

المصدر : الجزيرة