"حمّام العبد" بلبنان.. جدران أثرية تحكي عن مدينة طرابلس

طرابلس عرفت الحمامات الرومانية والبيزنطية وبنى المماليك والعثمانيون حمامات عامة أصبحت آثارا (الجزيرة)
طرابلس عرفت الحمامات الرومانية والبيزنطية وبنى المماليك والعثمانيون حمامات عامة أصبحت آثارا (الجزيرة)

محمد خالد-طرابلس

دفء المكان ورائحة الصابون العطرة وتسلل البخار من الأزقة داخل سوق الصاغة في مدينة طرابلس (شمالي لبنان) وحدها تدلك على "حمام العبد" الأثري، فعند دخوله تلاحظ أن الهدوء يسيطر على مكان لا يخترق سكونه سوى صوت خرير مياه بركة قديمة تتوسط باحته الخارجية، حيث يجتمع رواد المكان.

فـ"حمام العبد" هو الحمام الأثري الوحيد الذي شيّده المماليك ولا يزال يعمل حتى اليوم في مدينة الفيحاء دون انقطاع منذ أكثر من ثلاثمئة عام.

ما يميز الحمام اللوحات التراثية التي تزين جدرانه، والتي تحكي لزواره قصص المكان، بالإضافة إلى أرضيته الرخامية التي يعلوها سقف مزخرف يزيد ارتفاعه على تسعة أمتار، تتدلى منه ثريات قديمة.

كما يحتوي على غرفة للجلوس تسمى "المشلح"، فيها مقاعد طويلة مغطاة بالأقمشة يتوسطها موقد نحاسي كبير ومطبخ لتحضير طلبات الزبائن من أراجيل وشاي وقهوة وعصائر وغيرها.

يقول مدير الحمام أحمد ستوت "حمام العبد لا يزال يحافظ على بنائه الأثري حتى اليوم، والسبب هو الحفاظ عليه من قبل العمال والقائمين عليه".

ويضيف "توارثنا هذا الحمام أبا عن جد وقررنا الحفاظ عليه خوفا من اندثار هذا المعلم الأثري، ليكون شاهدا على تاريخ مدينة طرابلس".

حمام تاريخي
سمي حمام العبد بهذا الاسم -حسب القائمين عليه- نسبة لقصة قديمة تتحدث عن أن أحد الباشوات ارتكب جريمة قتل، وشهد على عملية القتل خادمه الزنجي، فهرب إلى الحمام خوفا من قتله، إلا أن الباشا عرف مكانه وقتل على عتبة الحمام، ومنذ تلك الحقبة سمي حمام العبد نسبة إلى هذه القصة.

يضم الحمام ثلاثة أقسام، لكل قسم وظيفته الخاصة؛ القسم الأول ويعرف "بالجواني"، وتعني حسب اللهجة الطرابلسية العامية الأكثر عمقاً في الداخل، حيث يتألف من غرفة "السونا" وغرفتين للتبليل، أما القسم الثاني فهو "الوسطاني" وهو عبارة عن فسحة داخلية تتميز بحرارتها المعتدلة، التي يجلس فيها المستحم بانتظار أن يبرد جسمه، أما القسم الثالث فيعرف "بالبراني"، حيث يرتاح المستحم بعد جولته في الحمام.

معلم أثري وسياحي
رغم انتشار مراكز الاستجمام الحديثة فإن حمام العبد لا يزال يستقبل زواره من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، ومن مختلف المناطق اللبنانية؛ قاصدين الاستحمام والاستجمام وقضاء وقت مع الأصدقاء، بالإضافة إلى السياح العرب والأجانب الذين يأتون من مختلف الدول بهدف التعرف على الأماكن الأثرية وتاريخ هذه المدينة.

يقول ستوت "معظم الزبائن يقصدون الحمام بهدف الاستجمام وقضاء وقت في بيئة طرابلسية، وبعضهم توارثها وراثة عن أجداده، والبعض الآخر يأتي لقضاء وقت مع الأصدقاء والتقاط الصور التذكارية".

ويوضح أن المسلسلات الشامية أعادت إلى الحمّام بعضاً من رونقه لأنه أصبح على الموضة، حسب قوله.

بدوره، يقول الشاب حسن -أحد رواد الحمام- "أزور حمام العبد باستمرار نظرا لأسعاره المناسبة، وحبا في التراث".

ويضيف "هنا أحصل على خدمات جيدة وأشعر بالارتياح. أمضي وقتي بين الحمام والسونا والتدليك، بالإضافة إلى الحديث مع زبائن الحمام". وهنا يتدخل أبو علي (سبعون عاما): "هذا الحمام هو صحي ومفيد لجسم الإنسان، آتي إلى هنا باستمرار؛ فأنا أعاني من وجع في المفاصل، وهنا أشعر بالراحة، خاصة أن الحمام صحي ويجدد خلايا جسم الإنسان".

وعلى بعد أمتار قليلة، يقع "حمام النوري المملوكي" الذي يقع بالقرب من الجامع المنصوري الكبير في مدينة طرابلس، وبناه الأمير سنجر عبد الله النوري سنة 1310.

هذا الحمام توقف عن العمل في سبعينيات القرن الماضي، وحاله كباقي الحمامات الأخرى -التي يبلغ عددها 11 حماما- توقفت عن العمل، ولم تلق أي اهتمام، وتشرف عليها وزارة السياحة اللبنانية، حيث تحولت إلى مقصد للزوار والسياح من دون أن تتم إعادته إلى العمل.

ويأمل رواد "حمام العبد" من الدولة اللبنانية المحافظة على هذا المعلم الأثري عبر دعمه لكي يستمر في استقبال الزائرين، ويساعد في جذب السياح إلى مدينة طرابلس.

المصدر : الجزيرة