جمعية جهنم بيروت.. التجوال الثاني للروائي راوي الحاج بالحرب الأهلية

صدرت حديثا النسخة الأميركية من رواية الروائي اللبناني الأصل راوي الحاج "جمعية جهنم بيروت" وذلك عن دار نشر نورتون في نيويورك.

وتعد "جمعية جهنم بيروت" الرواية الرابعة للروائي الشاب، والثانية عن الحرب الأهلية اللبنانية، لكنها ليست تكملة لرواياته الشهيرة السابقة "لعبة دي نيرو" رغم أنها تحمل ملامح العودة إلى بيروت التي ولد فيها الكاتب عام 1964.

لكن بيروت التي يعود لها حاج ليست التي نعرفها الآن، وإنما العاصمة التي مزقها العنف في زمن الحرب الأهلية المأساوية التي اندلعت أواخر السبعينيات، وغادر عقبها الروائي الذي يعيش حاليا في كندا عندما كان عمره عشرين عاما فقط.

وقال حاج في حفل التوقيع في مونتريال إن الفكرة جاءته عندما كان في سراييفو التي كانت بها وفرة من الموت، تشبه ما رواه بافلوف بطل الرواية الذي عاش بجانب المقبرة وشهد الكثير من الجنائز في ظروف لم تمنع هيبة الموت فيها من مواصلة الهجمات حتى على المواكب الجنائزية، في تصريحات منشورة على موقع الناشر الأميركي.

وصدرت الطبعة الأولى قبل عام عن دار نشر نوبف الكندية، قبل أن تعيد الدار الأميركية نشرها في يوليو/تموز 2019، واحتفى بها قراء ونقاد تفاعلوا مع الجمال المأساوي بها أو الكوميديا السوداء للرواية التي تشتمل على تناقضات عميقة أبرزها التضاد بين الموت وحب الحياة.

موت المنبوذين
وتحكي الرواية عن مجموعة من الناس الذين أدى وضعهم المنبوذ على هامش الحياة لتعاملهم بطريقة غير تقليدية مع الموت، في عالم خيالي تغيب فيه الخطوط الفاصلة بين الخير والشر، ويقول المؤلف إن التعاطف والأخلاق ليس لهما صلة بالأدب، وإن ما يهمه هو الحرية والتعبير غير المقيد عن كل شيء.

تمتلئ الرواية بالعقد والمواقف التي تجري أثناء الحرب الأهلية، ومع العنف والموت المرعب على إثر التفجيرات وإطلاق النار المفاجئ، يقدم الكاتب طرقا مختلفة للتعامل مع الموت والعنف والجنس والأسرة والكراهية والفرح، وينسج شخصيات يمكن أن يحبها القارئ ويبغضها في الوقت ذاته.

المنظمة السرية
في أحد الأيام المشمسة بداية وقف النار، ذهب الأب مع ابنه في رحلة بالسيارة وجمعا أشياء الموتى المبعثرة، وصارح الأب ابنه بافلوف غريب الأطوار بأمر الجمعية السرية، ودخلا بيتا مهجورا في أحد قمم جبل لبنان كان مقرا للمنظمة السرية، وهناك تعرف الابن على طقوس حرق الجثث وتراتيل الجمعية.

وبعد أن كبر بافلوف في منزل بجانب المقبرة المسيحية، أمضى وقته في الشرفة مراقبا مواكب المشيعين أثناء مرورها، ومع تصاعد الحرب الأهلية بالمدينة يشعر بالعدمية وفقدان المعنى، ويتساءل: ما هو الهدف من هذه الحرب، وما هي الحياة نفسها؟

وعندما يموت والده، يوافق بافلوف على تولي المهام كمتعهد ويتم تجنيده في المنظمة البيروتية الغامضة، التي تقوم بالدفن السري لأولئك الذين يُحرمون من الجنازات التقليدية بسبب دينهم أو نشاطهم الجنسي والذين تم تهجيرهم من قبل عائلاتهم أو من قبل السلطات أو رجال الدين.

وعلى مدار الرواية يصبح بافلوف شاهدا ومؤرخا على الجمعية السرية المنعزلة ويتعرف على طقوسها ويشهد تدهورها، فيما يشبه لقاء الكوميديا مع التراجيديا. وفي أحد مقاطع الرواية يؤكد بافلوف هذا المعنى قائلا "يجب أن يكون الضحك مسموحا به في جميع الظروف".

انتقادات
وعاش حاج السنوات الأولى من حياته في بيروت التي تزامنت مع الحرب الأهلية (التي كانت موضوعا لروايته السابقة أيضا "لعبة دي نيرو" التي ترجمت إلى "مصائر الغبار") ثم انتقل لقبرص، ثم هاجر لنيويورك واشتغل بأعمال مختلفة منها سائق تاكسي وله أيضا رواية "تاكسي".

ورغم أن كتابات حاج تبدو معقدة ومغبرة بأجواء الحرب، فقد تعرضت لانتقادات بعض القراء والنقاد لما اعتبروه عدم تماسك وتكلفا وزخرفة بما في ذلك هاجس بافلوف بالأساطير اليونانية غير الضروري.

ويكشف حاج بالرواية عن طبقات من السلوك البشري الغريب وغير المتوقع، وبينما يبدو البطل نقيضا للطائفية التي دمرت بلاده فإنه يصبح عضوا -للمفارقة- عاملا ضمن طائفة معادية للأديان فيما يشبه الطائفية المضادة.

بيروت السبعينيات
وفي بلد تتساقط فيه القنابل باستمرار، يبذل سكان بيروت السبعينيات جهودا هائلة من أجل البقاء ومواجهة الدمار، ويحاول البعض الالتزام بروتينهم كما لو أنهم لا يخشون على حياتهم بمجرد الخروج من باب المنزل. وينخرط آخرون في المحرقة، ويحاول البعض تحدي الحروب الطائفية من خلال الانغماس في حياة الملذات غير الأخلاقية.

ومع رحلة بافلوف للبقاء على قيد الحياة وإدراك المعنى من وجود تتواصل فيه الحرب باستمرار، تتساقط الدماء وتفصّل الدموع نسيج الحياة والمعنى.

وغالبا ما يؤدي سياق الحرب لإلقاء اللوم على الطوائف الدينية في لبنان، أو الغرب مقابل الشرق، أو الخير مقابل الشر، لكن الحاج يتجاوز هذه الثنائيات معتبرا العنف أحد وجوه العلاقات اليومية بين الناس، مظهرا التشابهات العميقة الكامنة خلف أقنعة الشخصيات وتعسف استخدام السياسة والدين والأخلاق لمواجهة الموت.

ووسط فوضى الحرب وركام المباني المدمرة والقنابل الساقطة مثل الأمطار يحاول حاج الكشف عن طبيعة الحرب وعواقبها الإنسانية، ويخلص إلى أن الأمل والحياة دائما ما يكونان في حالة تأهب، في انتظار أن يتم إشعالهما.

المصدر : الجزيرة