عـاجـل: مراسل الجزيرة: تقارب نتائج التصويت بين الليكود وتحالف الجنرالات في انتخابات الكنيست وفق العينات التلفزيونية

الوطن المفقود والمشتهى.. قصائده وأغانيه في الثورة السودانية

الثورة السودانية شهدت حراكا ثقافيا كبيرا في مختلف الفنون وأجناس الأدب (الجزيرة)
الثورة السودانية شهدت حراكا ثقافيا كبيرا في مختلف الفنون وأجناس الأدب (الجزيرة)
عماد محمد بابكر-السودان

"البلد الذي شحن الطيب صالح بتلك الروح التي جعلته يقول ما قال، وملأت علي المك حبا إذ قال لمحبوبته: في حضرتِك أنسى كل شيء إلا بلدي، هو البلد نفسه الذي يملأ قلوبنا الآن بحبه وأنا أخرج للشارع.. أؤمن بأن الطيب صالح يهتف معي ومحمد وردي يغني فوق أكتاف الرجال".. هذا ما كتبه شاعر سوداني في مطلع العام الحالي، ومضى إلى ثورته ومضت الثورة إلى غاياتها نحو الحرية والعدل.

البحث عن وطن
شهدت شهور الثورة السودانية حراكا ثقافيا كبيرا في شتى أشكال الثقافة وأجناس الأدب، ولم ينقطع الشعر في الأجيال السودانية بل تدفقت موجات الشعراء في تلاحق، غير أن الطوفان الشعري والحضور القوي لمحور الوطن لم يكن كما هو اليوم، لأن الوطن ليس جغرافية تُبصر وتاريخا يذكر فحسب، بل هو شيء يحسه القلب في المقام الأول.

ولم يعرف الجيل الجديد الوطن المفقود والمشتهى وظل يبحث عنه إلى أن انطلقت الثورة فواكبتها قصائد الشعراء وسمع الناس بأسماء جديدة في دنيا الشعر، مثل مروة بابكر التي لا يكاد مدد شعرها ينقطع.

يقول الشاعر السوداني الشاب عبد الرحمن الفاتح "كنّا نفتقد الوطن وكانت الثورة هي الأمل الذي بدا للشعب بعد ثلاثين عاما من غياب الوطن.. عشت فيه العشر سنوات الأخيرة حائرا بين ما نسمعه عن السودان القديم وما نراه في الحديث، وبين ما نسمعه من أولي الظلم عن الحرية والعدل، وبين ما نلمسه في الشوارع من الظلم والكبت".

ويتابع الفاتح "بوصفي شاعرا كان الشعرُ والمضيُّ في المواكب أمرين أحدهما لا يكفي لجعلك ثائرا، وكلاهما لا يجزي الوطن حقه.. كان الاستسلام للإلهام آنذاك حتميا ولا مفر منه، وكانت فترةً أشعلت شرارة الوطن في جرابي الشعريّ فأخرجت الثورة ما زاد على مئة قصيدة وخرجت القصائد وخرج الثوار".

خرجوا
وما نزع الرصاصُ قلوبهم
بل زاد جمرَ مُضِيِّهِم فتسعَّروا
سالوا دماءً
واستفاضوا أنفُسًا
وقَضَوا حياتهُمُ
.. ولم يتقهقروا

عندما يموت الموت
تعود الحياة عندما يموت الموت، وعندما تهزِمُه القصائد.. كما قال درويش، فالمبدع الحق لا يموت فهو حي في إبداعه، وهذا ما جسدته الثورة السودانية وهي تستلهم قصائد وأبياتا لشعراء فنوا عشقا في محبوبهم "السودان".

وانطلقت الثورة فكانت أبيات خليل فرح وقصائد صلاح أحمد إبراهيم وشعراء الثورات السابقة ومحمد المكي شاعر أكتوبر والفيتوري، حاضرة بقوة.

وكان محجوب شريف ومحمد الحسن حميد أكثر قربا من التفاصيل التي لم يرياها وأصبحت أبياتهما الأكثر تداولا، وذاك أمر متوقع عند الناقد هاشم ميرغني الذي قال للجزيرة نت "لم تكن ثورة ديسمبر طفرةً اندلعت فجأة لتسقط الدكتاتورية الأسوأ في تاريخ السودان، بقدر ما كانت ثمرة لتراكم طبيعي وإرث ثوري طويل بدأت طلائع فجره الأولى منذ لحظة الانقلاب المشؤوم في الثلاثين من يونيو/حزيران 1989.. وعندما انفجرت في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول لم تكن في يومها الأول بل في عامها الثلاثين".

ويضيف ميرغني "لم يكن من المفارقة أن تهُبَّ أصوات شعرية رحلت منذ سنوات لتجدل ضفيرة الثورة مع قصائد كتبت توا، فقصائد شعراء راحلين أمثال محمد الحسن سالم حميد ومحجوب شريف، بل شعراء مرحلة أبعد تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، تتآزر مع قصائد عالم عباس وأزهري محمد علي والقدَّال وطارق الأمين وعمر عبد المجيد (أغلب أعمالهم كتبت قبل ثورة ديسمبر/كانون الأول بسنوات) كما تتآزر مع قصائد الشباب الذي أشعلوا الثورة واشتعلوا".

جداريات الاعتصام
مواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى ألهبها الشعر الثائر طوال شهور الثورة السودانية، وبين حوائط الشعراء وتغريدات الثائرين ومقاطع الفيديو لم يقتصر الأمر على منصة دون أخرى، كما لم يكن حصرا على الشعراء وأهل الأدب، فالقصيدة تتمدد مع تمدد الثورة.

وصار الثوار ينتظرون جديد القصائد انتظارهم للساعة الواحدة (موعد انطلاق المواكب)، وبدأت أوسمة لأدب الثورة بعضها جماعي وآخر فردي إلى أن تحولت المواكب في أبريل/نيسان لاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، حيث أصبح للشعر حضورٌ أكبر.

ونصب الثوار مسرحا في مقر الاعتصام اعتلاه عدد من الشعراء ليتواصلوا مع جمهورهم وشركاء الثورة بعد أن كان التواصل رقميا، وصعد على المسرح من هتف بقصائد غيرهم مثلما فعلت آلاء صلاح وهي تحلق بقصيدة القدال:

"أنا جدي تهراقا
وحبوبتي كنداكا"

وكانت الإذاعة الداخلية في ساحة الاعتصام تحاور الثوار وقادة الحراك وتنشر الأغنيات الوطنية وتذيع قصائد الثورة وتستنطق شعراءها.

واختار أهل الفنون التشكيلية أن يجمعوا في بعض الجداريات بين صور الشهداء والقصائد الثائرة، وكانت المبادرات في ميدان الاعتصام التي من أهمها ثقافيا مبادرة الوراقين (فعالية الشباك الأدبية) التي شكل الشعراء ركيزة مهمة من ركائزها.

الشعر خارج دواوينه
لعل من اللافت في شأن الشعر والثورة السودانية المساحات الثورية التي تمددت فيها الأشعار، فصيغت أغلب هتافات الثوار شعرا واستل بعضها من قصائد كتبت قبل الثورة بأمد طويل، وأخذت منه جُملا مثل قول محمد الحسن سالم حميد "حُكم العسكر ما بتشكر"، و"خلَّ الصوت الكبَتو الجوع.. يلقى براحو يضوع، ويضوع"، أو من قصائد محجوب شريف:

يا شعبنا لهبت ثوريتك
تلقا مرادك والفي نيتك

وصارت بعض الأجزاء الشعرية وسوما في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل: #حنبنيهو، وهي كلمة من قصيدة لمحجوب شريف تَعِد ببناء الوطن الذي يحلم به بنوه.

ويرى الشاعر والناقد أسامة تاج السر أن مرد ذلك يعود إلى طبيعة الشعر والسودانيين، ويضيف "موسيقى الشعر تجعل تكراره جميلا أليفا وحفظه سهلا ميسورا، كما أن أغلب هذه الأشعار من الغناء السوداني أو الأشعار التي يحفظها السودانيون".

وخرجت القصيدة في استهلالات بيانات كثيرة أغلبها لتجمع المهنيين الذي يحسب له إدارة دفة الثورة، فكثيرا ما استُهلت بياناته بأبيات لشعراء سودانيين، فيما لم تخل الكلمات من الشعر.

وافتتح رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير عشية التوقيع على الوثيقة الدستورية كلمته بأبيات للشاعر الراحل النور عثمان أبكر:

أقف اليوم برأس حاسر
وبقية شيء من نفسي
ونقاء وَجِيبِي:
مولايَّ الشعب الأسمر خذني
فأنا المعشوق العاشق.

وفسر الدقير باقتباسه الشعري في هذه اللحظة التاريخية، التحام الشعر بالثورة والثورة بالشعر في السودان الذي ينسج مستقبله بشعر الثورة وهتافات الثوار.

المصدر : الجزيرة