نادي الشباب الريفي بقرية بئر عمامة.. من مكان مهجور إلى مقر لمبادرة "تونس تقرأ"

أطفال بئر عمامة يمشون نحو سبعة كيلومترات للوصول إلى النادي (الجزيرة)
أطفال بئر عمامة يمشون نحو سبعة كيلومترات للوصول إلى النادي (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-سيدي بوزيد

قبل اندلاع ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 بمحافظة سيدي بوزيد (وسط غربي تونس)، كان حزب التجمع الدستوري الديمقراطي -حزب الرئيس المخلوع بن علي- يستعرض قوته في مبنى ذي غرفتين في قرية بئر عمامة بمعتمدية (حكم محلي) بئر الحفي، فيقيم فيه اجتماعاته وينظم فيه أنشطته الحزبية.

بسقوط نظام بن علي لم تعد أعلامه بنفسجية اللون تحتل المكان الذي تحوّل إلى فضاء مهجور مكسور الأبواب والنوافذ، وجدرانه آيلة للسقوط، ومغلق إلى أجل غير معلوم، فما كان من شباب هذه القرية إلا أن قرروا فتحه ونفض الغبار عنه ونزع رداء الحزب والسياسة عنه، وتحويله إلى "نادي الشباب الريفي بئر عمامة"، الذي يحتضن أيضا مبادرة "تونس تقرأ".

تولى الشاب ناجح يوسفي -المجاز في اختصاص الفنون الجميلة- الإشراف على هذا المشروع، وبمساعدة عدد من شباب منطقته والأولياء وحتى الأطفال الذين تطوعوا بما تيسر من الأموال والجهود البدنية، أعادوا ترميم هذا الفضاء وتزيينه وتجهيزه بمعدات متواضعة حتى أصبح صالحا للاستغلال.

أطفال القرية البسطاء رحبوا بمبادرة ناجح (الجزيرة)

بئر عمامة
سُميت هذه القرية بئر عمامة لتميّزها قديما بكثرة الآبار العميقة التي كانت تعمّ الجميع وتروي ظمأ سكان القرى المجاورة وليس سكانها فحسب، واليوم نضبت مياه "بئر عمامة"، وصار سكانها يشكون شح المياه ونقصانها رغم حفر السلطات آبارا جديدة لم تف بحاجاتهم من مياه الشرب.

يلتف أهالي قرية ناجح حوله، ويثمنون مبادرته، ومن بينهم نجاة حميدي التي تؤكد للجزيرة نت أن ابنهم يسعى لإسعاد أطفالهم بكل ما أوتي من قوة ودون مقابل، آملة من السلطات مساعدة ناجح وانتدابه للعمل في النادي لأنه عاطل عن العمل. 

خطوة إيجابية
بدوره، يرى سفيان الصديق في مبادرة ناجح خطوة إيجابية بدأها بمفرده وعلى السلطات الرسمية استكمالها لتنمية بئر عمامة والارتقاء بها.

منذ تسع سنوات، وعلى امتداد ثلاثة أيام، يقبل أطفال بئر عمامة على هذا النادي المتواضع لتفجير طاقاتهم في الموسيقى والرسم والمسرح، تحت إدارة ناجح (32 عاما)، الذي كرّس نفسه ووقته لإسعاد هؤلاء البراعم وإدخال البهجة والفرح على قلوبهم البريئة.

فرحة أطفال بئر عمامة بمدينة الألعاب (الجزيرة)

عزيمة ونجاح
ورغم انسحاب زملائه، بقي ناجح متسلحا بالعزيمة، يعمل على إنجاح حلمه الذي طالما راوده وهو طفل، فتنقل بين دور الشباب والثقافة في المناطق المجاورة ينهل منهم الأفكار ويقيم معهم الشراكات والمسابقات، وساعده في ذلك تجاوب سكان قريته الريفية البسيطة.

ينظم ناجح -بمساعدة سكان بئر عمامة- بين الفينة والأخرى تظاهرات ترفيهية، لعل أبرزها جلب مدينة ألعاب هوائية مصغرة في عيد الفطر الماضي إلى القرية، وكانت فرحته لا توصف لشدة تأثر الأطفال بها؛ "فهم غير معتادين على مثل هذه الألعاب والمشاهد"، كما يوضح للجزيرة نت.

وإلى جانب الألعاب والترفيه، يركز ناجح على الجانبين التعليمي والتثقيفي للأطفال الذين تميزوا في مسابقات عديدة، ومن بينها تظاهرة "تونس تقرأ"، فكللت مشاركتهم بالنجاح وحصلوا على جوائز.

 

مكتبة متواضعة من إنجاز ناجح وسكان قريته (الجزيرة)

صعوبات وضغوط
لا تقف الإمكانات المادية فقط حاجزا أمام استكمال مشروع ناجح وسكان القرية، فحتى محاولات بعض الأطراف الحزبية الضغط على ناجح لاستغلال فكرته لصالحهم كانت عائقا كبيرا واجهه الشاب، الذي لم يستسلم لكل الإغراءات وتغلب عليها. 

كما أنه يسعى منذ إطلاقه المبادرة وحتى اليوم إلى الحصول على دعم من السلطات الرسمية لاستخراج الوثائق الرسمية للنادي متنفس القرية الوحيد واستكمال تجهيزه؛ فالأهم -حسب ناجح- "أنهم بدؤوا المهمة وعلى الجهات الرسمية إنهاؤها".

تدخل السلطة
يوضح المعتمد الأول لمحافظة سيدي بوزيد منصف شلاغمية للجزيرة نت أنه عاين مع عدد من مسؤولي الجهة منذ عام تقريبا نادي الشباب الريفي في بئر عمامة، وزوّد القائمين عليه ببعض التجهيزات الرياضية والألعاب.

وأضاف أنه تمت تهيئة الحد الأدنى من النادي، وأن السلطات الجهوية تعهدت برصد اعتمادات لصالحهم في حال نشاطهم في إطار جمعية، نظرا لما قدمه هؤلاء الشباب من إضافة لقريتهم الريفية التي تحتاج إلى عناية خاصة.

تسع سنوات لم تنهك عزيمة ناجح وهو مصرّ على النجاح وأن يكون النادي نقطة مضيئة تنير العتمة المحيطة بقريته "بئر عمامة".

أطفال بئر عمامة ومدربهم ناجح خلال مشاركتهم في تظاهرة "تونس تقرأ" (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة