الشاهنامة الفارسية دعاية الحرب العالمية الثانية.. حكاية هتلر التي لم يروها الفردوسي

المعركة بين نزار وأفراسياب من شاهنامة (ويكي كومون)
المعركة بين نزار وأفراسياب من شاهنامة (ويكي كومون)

عمران عبد الله

استخدمت السلطات البريطانية أثناء دعاية الحرب العالمية الثانية رسومات وأشعار الملحمة الفارسية الشهيرة (الشاهنامة/كتاب الملوك) للترويج لموقفها في الحرب وحث الشعوب المتحدثة بالفارسية على دعم موقف دول الحلفاء. 

وعرضت المكتبة البريطانية قبل سنوات مقتنيات "معرض البروباغندا.. القوة والإقناع" متضمناً سلسلة من البطاقات البريدية تعرض مقاطع من الشاهنامة مع إسقاطها صورتها على شخصيات هتلر وموسيليني .

وتحكي الشاهنامة التي كتبها الشاعر الفارسي الفردوسي تاريخ إيران خلال 55000 مقطع مقفّى، منذ نشأتها الأسطورية ما قبل التاريخ وحتى نهاية الإمبراطورية الساسانية (650 م). وتشمل العديد من القصص الكلاسيكية التي أصبحت رموزاً في الثقافة الفارسية، كقصص حب خسرو وشيرين، بيزهان ومنيزهه. إضافة لمآثر البطل الهرقلي رستم ولقائه المأساوي مع ابنه سوهراب، بحسب المكتبة البريطانية. 

ويرى باحثون أن الفردوسي حفظ اللغة الفارسية في زمن كتابة الشاهنامة، وهو الوقت الذي كانت العربية فيه هي لغة الحكم والدين والثقافة والتأليف.

ضحّاك الحرب الكونية
وتستخدم البطاقات البريدية المعروضة حاليا بالمعرض أسطورة الطاغية "الملك الضحاك" محاولة لجعل الدعاية المضادة لألمانيا أكثر ارتباطا بالثقافة الإيرانية ورموزها، بحسب المؤلفة والأكاديمية العاملة بالمكتبة البريطانية نور سوبرز خان.

وعمل الباحث الإيراني مجتبى مينوفي (1903-1976) لصالح "بي بي سي" BBC الفارسية خلال فترة الحرب الكونية الثانية، محررا للصحيفة الموالية للحلفاء روزجار آي نوا، وعندما طلب منه تقديم المشورة لعمل حملة دعائية فعًالة في إيران تخدم الرؤية البريطانية، اقترح استخدام الرسوم والقصص من ملحمة الشاهنامة لمناشدة الشعب الإيراني وحثه على بغض دول المحور.

 يعدم الضحاك الأبرياء ويبدو شبيهاً بهتلر (المكتبة البريطانية)

تم العمل بنصيحة مينوفي، ورسمت الصور عام 1942 من قبل كيمون إيفان مارينجو (1904-1988) والمعروف باسم سوبريكيت كيم صاحب الإبداع الغزير للرسوم الكرتونية الدعائية لبريطانيا خلال الحرب، بحسب مدونة المكتبة البريطانية.

هتلر
وجرى رسم الطاغية "الملك الضحاك/أزدهاق" الذي يظهر في البطاقات البريدية مثل هتلر، حيث يمثل الحاكم الظالم البربري الذي أنهى الحكم النيّر لـ "جامشيد" في حين تعتبر التفسيرات لحكاية الفردوسي أن الملك الضحاك يمثل رمز الغزاة العرب الذين أنهوا الإمبراطورية الساسانية وبالتالي الحضارة الفارسية. 

وبعد أن يظهر الضحاك قدراته الوحشية الكاملة، يتسبب الشيطان في نمو الأفاعي من أكتافه والتي تحتاج أن تتغذى يوميا على أدمغة بشرية من ضحايا يتم اختيارهم من شباب إيران.

ويستمر الحكم الاستبدادي أعواما عديدة، قبل أن يرى الملك في المنام نهايته مع اقتراب ثلاثة فرسان على ظهور الخيل أحدهم فرايدون الذي يشعّ وجهه نورا وعدالة، بعد هذا الحلم يصل حداد يدعى كاوه إلى بلاط الضحاك ليطالب بإطلاق ابنه الشاب أحد الذين سيتم إطعامهم للأفاعي التي على أكتاف الملك. 

ويتصنع الضحاك الرحمة ويطلق كاوه، ثم يطلب منه أن يوقع على وثيقة تشهد برحمته، إلا أن الحداد يرفض أن يقر كذبا بعدالة الطاغية ويمزق الوثيقة. 

ثم يرفع الحداد الراية عاليا، ويحرض الشعب على التمرد والبحث عن فرايدون الذي سيخلص إيران من ظلم ووحشية الضحاك. ونهاية هذه الحلقة، يقوم فرايدون بتحطيم الملك ولكن بدلاً من قتله يقيده في جبل دامافاند ليُعذّب من قبل الأفاعي على كتفيه حتى نهاية الزمن. ويقول بعض المؤرخين أن الضحاك هو نمرود بن كنعان، لكن الطبري لا يوافق على هذه الرواية، وفي الشاهنامة الفارسية يعد الضحاك حاكماً عربيا من أصول يمنية يقتل أبوه ليصبح ملك العرب.

وتروي الأسطورة أن إبليس أتاه في زي الطباخ وجعله يأكل اللحم بعد أن كان الناس يأكلون النباتات، وفي أحد الأيام دخل عليه الشيطان وقبل منكبيه فنبت من كل واحد منهما حية.

وتحكي الخرافة أن الضحاك رأى في منامه أن مُلكه سيزول على يد رجل اسمه فريدون، فأمر بقتل كثيرين لكن أم فريدون ذهبت بابنها لراعي أغنام، وبعد أن كبر حارب مع كاوه الحداد الملك وأسره أفريدون، ثم قسم العالم بين أبنائه. وروى الفردوسي هذه الأسطورة في 51 بيتاً من الشعر في الشاهنامة.

ووردت الأسطورة في الشعر العربي، وذكر بديع الزمان الهمذاني يمدح السلطان محمود الغزنوي، قائلا:

أ أفريدون في التاج أم الإسكندر الثانى؟

وصول الفرسان الموعودين على هيئة تشرشل وستالين وروزفلت وهم يقودون التحرر بما يوحي بأن انتصار الحلفاء يعود على الشعب (المكتبة البريطانية)

ملحمة الفرس القومية
قام الشاعر الفردوسي (940-1020 ميلادي) بجمع القصص والأساطير للشعوب الفارسية القديمة مع القصائد السابقة للإسلام التي حكاها رواة القصص والأجداد لمئات السنين، ليروي ملحمة الشاهنامة في قصيدة كتبها في قرابة 35 عاما.

ويقول الباحثون إن ملحمة الشاهنامة لم تكن أهم كتاب بالفارسية وتتناول تاريخ الملوك فحسب، بل قصد منها بعث القومية الفارسية بعد الفتح الإسلامي لهذه البلاد.

وبحلول القرن 14 أصبحت العادة أن يكلف كل ملك بكتابة نسخة جديدة من شاهنامة ورسمها من قبل أفضل رسامي وخطاطي عصره، وتعتبر أعظم أثر أدبي فارسي على الإطلاق.

وحافظ النص الفارسي الملحمي على شعبيته في إيران بفضل المخطوطات الثمينة التي كتبت ورسمت فيها الملحمة الشعرية التي تؤرخ للمعارك والأعمال البطولية، وتمزج الواقع التاريخي والخيال الرومانسي والمغامرة لعدة أجيال من العائلات، وتمزج النص بين الشعر والنثر والكلام والأغاني. 

المصدر : الجزيرة