أمازيغ مصر يتكلمون لغة "تاسيويت" المهددة بالانقراض في واحة الغروب

طبيعة واحة سيوة المنعزلة لعبت دورا رئيسيا في السماح للأمازيغ المحليين بالحفاظ على ثقافتهم (ويكيميديا)
طبيعة واحة سيوة المنعزلة لعبت دورا رئيسيا في السماح للأمازيغ المحليين بالحفاظ على ثقافتهم (ويكيميديا)

في رواية ومسلسل "واحة الغروب"، ذهب ضابط البوليس المصري محمود عبد الظاهر في مهمة رسمية إلى واحة سيوة لينغمس مع زوجته الأيرلندية كاثرين -الشغوفة بالآثار- في الواحة وثقافة أهلها وتراثهم، بما في ذلك لهجتهم السيوية "تاسيويت" المشتقة عن اللغة الأمازيغية، ويتكلمها أطفال الواحة قبل تعلم اللغة العربية في المدرسة.

وتقع واحة سيوة غرب مصر ووادي النيل، على بعد 59 كيلومترا شرق الحدود الليبية ونحو 560 كيلومترا غربا من نهر النيل، وتعد من أكثر المناطق النائية في البلاد، وتشتهر هذه الأرض الزراعية بالتمر والزيتون، وازدادت شهرتها بفضل إمكاناتها السياحية في العقد الماضي.

وقال الكاتب مارك إسبانول في تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي إن هذه الواحة هي الباب الشرقي الأقصى المؤدي لأرض الأمازيغ (السكان الأصليين لشمال أفريقيا).

وذكر الجغرافيون العرب في العصور الوسطى زيارتهم لهذه الواحة في رواياتهم المكتوبة، التي يعود تاريخها إلى القرن 12 الميلادي.

لوحة توضح زيارة الإسكندر الأكبر لمعبد آمون بسيوة (مواقع التواصل)

عزلة الواحة ولغتها الخاصة
لعبت طبيعة واحة سيوة المنعزلة دورا رئيسيا في السماح للسكان المحليين بالحفاظ على ثقافتهم، خاصة اللغة السيوية، التي تعرف باسم "اللغة الأمازيغية".

ويعتقد أيضا أن هناك ما بين 10 و15 ألف شخص أو أكثر ممن يتحدثون هذه اللغة، رغم غياب التعداد الرسمي، وتأثرت هذه اللغة كثيرا باللهجة المصرية.

أمازيغ مصر
ونقل الكاتب عن أحد السكان المحليين -الذي يعيش في سيوة، وتواجد خلال بعض المؤتمرات التي نظمها الكونغرس العالمي الأمازيغي (جماعة غير حكومية تحمي وتعزز هوية الأمازيغ- "سيوة معزولة حقا، ولهذا السبب حافظت على لغتها".

وطلب هذا المتحدث عدم الكشف عن اسمه، موضحا أن اللغة تمثل مسألة حساسة، وقد تسبب بعض المشاكل مع السلطات المصرية. وأضاف أنه لو كانت سيوة قريبة من القاهرة، لكانت اللغة قد اختفت منذ زمن طويل، ولكن سيوة لم تخضع لتأثير كبير من الخارج، وهو أمر إيجابي، حسب تعبيره.

في واحة سيوة، اللغة السيوية هي اللغة الأم لجميع السكان المحليين، ومعظمهم أضافوا اللغة العربية كلغة ثانية قبل عقود. في المقابل، يتكلم البدو المتواجدون في الواحة اللغة العربية بوصفها لغتهم الأم وأحيانا يتكلمون السيوية.

ومن النادر أن يتحدث المصريون الذين يعيشون هناك لغة الأمازيغ، لذلك يتم معظم التواصل بين هذه المجموعات الثلاث عبر اللغة العربية.

اللغة السيوية هي اللغة الأم لجميع السكان المحليين (الأنباء الأوروبية)

تأثير العربية 
وأشار الكاتب إلى أن هذا التواصل بين اللغتين أثر على اللغة السيوية على مر القرون، لا سيما المفردات.

وأوضح الأمين سواق (باحث في اللسانيات في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية) لموقع "المونيتور" أنه يجب التمييز بين الطبقات المختلفة من التأثير العربي؛ فهناك بعض الكلمات المستعارة القديمة جدا، ثم هناك مجموعة من الكلمات المستعارة والبنيات النحوية المدمجة بشكل سلس في اللغة، والتي يبدو أنها تعود إلى ما قبل عام 1800.

وذكر سواق أن هناك أيضا مجموعة من الكلمات المستعارة من اللغة العربية المصرية الحديثة، نتيجة التواصل بين سيوة وبقية مصر من خلال التعليم أو وسائل الإعلام أو الهجرة.

وتسارع هذا التواصل بشكل كبير على مدى العقود القليلة الماضية بسبب وسائل الاتصال والنقل الحديثة، التي زادت نسب الهجرة والسياحة. وبالتالي، أصبح هذا المزيج حافزا للتغيير الديموغرافي والاجتماعي داخل الواحة، مما أثار خوف بعض السكان المحليين من اندثار اللغة المحلية.

لغة مهددة بالانقراض
وفقا للكتاب الأحمر للغات المهددة بالانقراض الذي أصدرته اليونسكو؛ تعد اللغة السيوية "مهددة بالتأكيد".

ومن جهة أخرى، يجادل آخرون بأن الحقيقة تكمن في أن اللغة تستخدم من قبل السكان من جميع الأعمار خلال التواصل اليومي، ولكن في الوقت ذاته هناك عوامل تعرضها للخطر، مثل غياب الأبحاث المتعلقة بها، وعدم تدريسها على الإطلاق في المدارس. 

وأورد الكاتب أن الدستور المصري ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد، ومع ذلك ينص على أن "الدولة تولي اهتماما خاصا بحماية مكونات التعددية الثقافية في مصر، وإتاحة جميع أنواع المواد الثقافية دون التمييز على أساس جغرافي". 

ويشجع ميثاق الدولة على إيلاء اهتمام خاص بالمناطق النائية وتعزيز الترجمة من وإلى العربية.

ورغم أن هذا الجزء من الدستور لاقى استحسان بعض سكان سيوة المحليين في البداية، فإن الواقع عكس ذلك، بسبب عدم وجود أي مركز ثقافي في الواحة، حيث يمكن دراسة اللغة السيوية.

واحة سيوة تقع غرب مصر ووادي النيل وتبعد 59 كيلومترا عن الحدود الليبية (الأوروبية)

مواجهة الاندثار
وتعرف اللغة السيوية بتاريخها الحافل بالشعر والحكايات الشعبية، فضلا عن الألغاز والأمثال، ولكن نظرا لأنها لغة غير مكتوبة، فإنها تخاطر بتعرضها للاندثار التدريجي.

ويعتقد كثيرون في الواحة أنه نظرا لأن هذه اللغة لغتهم الأم، فلا داعي لدراستها، لذلك يفضلون تخصيص وقتهم وطاقتهم لتعلم لغات أخرى، مثل العربية.

وأشار الكاتب إلى أن أولئك الذين يحاولون العمل على مشاريع صغيرة لتوثيق اللغة السيوية من خلال نشر القواميس أو الدراسات النحوية؛ لا يجدون أي دعم.

وتنظر الحكومة المركزية إلى المجتمعات الطرفية والأقليات الأخرى في مصر بعين الشك، مما يمثل عقبة رئيسية أخرى. وقال سواق في هذا الشأن إن سكان سيوة يعتقدون أن مسألة اللغة هي موضوع حساس من الناحية السياسية، وربما من الأفضل أن يبتعدوا عن التحدث عنه. 

ووفقا لسواق، فيمكن للحكومة المصرية تعزيز اللغة السيوية عن طريق استخدامها في المدارس والبرامج الإذاعية المحلية، بالإضافة إلى تمويل البحوث في هذا الموضوع، ولكن لا يبدو أن هناك أي تقدم حتى الآن. وبالنظر إلى تردد مصر في اتخاذ الإجراءات، فإن تطلعات الكونغرس العالمي الأمازيغي المحلي تقل شيئا فشيئا.

وفي تصريح لها لموقع "المونيتور"، أفادت أماني الوشاحي رئيسة الكونغرس بأن المنظمة تخطّط لمشروع من أجل تعليم السيوية في دار الثقافة، وهو مركز ثقافي محلي في سيوة، لكنه يحتاج إلى دعم لوجستي وتمويل من وزارة الثقافة.

المصدر : الجزيرة