هيرمان ملفيل.. مؤلف "موبي ديك" وأول كتّاب العولمة

الحوت العملاق كان عنصرا أساسيا في الرواية والفيلم المنبثق عنها (مواقع التواصل)
الحوت العملاق كان عنصرا أساسيا في الرواية والفيلم المنبثق عنها (مواقع التواصل)

قبل مئتي عام ولد الشاعر الملحمي والروائي الأميركي هيرمان ملفيل في مدينة نيويورك، وتحديدا في الأول من أغسطس/آب 1819، وقد أفردت مجلة إيكونوميست البريطانية مقالا احتفاء بالذكرى المئوية الثانية لمولده، واصفة إياه بأنه من "أوائل شعراء العولمة العظام".

ومن أشهر مؤلفات ملفيل روايته بعنوان "موبي ديك" التي صدرت في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1851.

وتدور أحداث الرواية حول صراع تراجيدي بين قبطان يطارد حوت العنبر الأبيض العملاق الذي أغرق سفينة سابقة وقطع ساقه، وأطلق عليه المؤلف اسم "موبي ديك"، معتبرا أن "الجهل هو أصل كل خوف".

وتوفر الرواية عبر تعليقات الراوي إسماعيل عن أنظمة تصنيف الحيتان خلفية يمكن من خلالها تناول فكرة سعي البشر الدؤوب المحكوم عليه بعدم النجاح لفهم كامل الحقائق التي لا يمكن إدراكها كلها، ومنها المخفية تحت سطح البحر.

في المقابل، يقول الراوي في أحد مقاطع الرواية "أجرب كل شيء، وأحقق فقط ما أستطيع".

رواية ناجحة
ورغم أن الرواية اعتبرت فاشلة إلى حد كبير خلال حياة مؤلفها، ولم تحظَ بحفاوة من جمهور القراء فقد جرى إعادة اكتشافها في القرن العشرين على أنها واحدة من روائع الأدب الرئيسية في كل من الأدب الأميركي والعالمي.

واتخذ ملفيل -بحسب موقع ويكيبيديا- من هذا الصراع وسيلة لتأمل الوضع البشري وعلاقته بالوجود، وحوّله إلى كيان رمزي معقد وقصة رمزية عن كيفية العيش وعن المشروع الأميركي الذي وجد في عمل المؤلف شكلا من أشكال التعبير عن نفسه في منتصف القرن الـ19، أي حين كانت أميركا تكتشف ذاتها كقوة كونية وإمبراطورية، فكانت رواية موبي ديك وروايات ملفيل الأخرى بمثابة نبوءة لما ستصير إليه هذه القوة الكامنة.

وفي روايته الأشهر تلك، يطارد البحارة الأشداء الحوت الأبيض موبي ديك على متن مركب اسمه "بيكود" بقيادة الربان أهاب، وينتمي البحارة إلى 13 جنسية على الأقل، وجلهم من الصين وتاهيتي وآيسلندا والبرتغال.

وتقول إيكونوميست إن القرن الـ19 شهد تنقلات وتداولات غير مسبوقة للبشر والسلع وذيوعا لم يسبق له مثيل للأفكار، وكان البحارة في طليعة تلك التحركات، إذ كانوا يمخرون عباب المحيطات والبحار حول العالم، فوطئت أقدامهم بلادا "عجيبة"، وتعرفوا على غرائب العادات، كما يقول ملفيل.

أهوال البحر والعولمة
لم يكن ربابنة السفن آنذاك يأبهون كثيرا لمن يسافرون معهم طالما أنهم من البحارة المتمكنين، وذلك على الرغم مما يتعرضون له من أهوال في عرض البحر ومن شح الأيدي العاملة.

شب الفتى هيرمان ملفيل على حب البحر، فأبحر من نيويورك إلى ليفربول في عام 1839، وهي التجربة التي استحضرها بعد عشر سنوات في روايته "ريدبورن"، وهي مؤلفه الرابع الذي يعد شبه سيرة ذاتية يروي فيها مغامرات شاب مهذب بين البحارة الهمج في أحياء ليفربول القذرة.

لقد رأى بأم عينه الظروف الفظيعة التي عانى منها المهاجرون الإيرلنديون تحت أسطح السفينة، والعدائية التي قوبل بها عند وصولهم إلى أرض أميركا.

تلقى ملفيل تعليمه في البر والبحر بعد أن ترك المدرسة وهو في سن الـ12 إثر وفاة والده، وفي يناير/كانون الثاني 1841 سافر كصائد حيتان على متن سفينة من مدينة بدفورد، وسجن لفترة وجيزة في تاهيتي لاشتراكه في تمرد.

واشتغل عامل زراعة ثم واضع خوابير (دبابيس) في صالة للعبة البولينغ في هاواي، وقد أصبحت تلك الرحلة أيضا مادة لقصصه.

موبي ديك
وتبدأ رواية "موبي ديك" بوصول الراوي إسماعيل إلى مدينة بدفورد في طريقه، وهناك التقى صائد حيتان متمرسا من البحار الجنوبية يدعى كويكويغ.   

الشاعر الملحمي والروائي الأميركي هيرمان ملفيل ولد بمدينة نيويورك في الأول من أغسطس/آب 1819 (التواصل الاجتماعي)

ووفقا لمقال إيكونوميست، فقد قاد السفر ملفيل إلى التساؤل عن مفاهيم، مثل "الهمجية" و"الحضارة"، فقد قفز من المركب عند جزيرة "هوكو هيفا"، وهي إحدى جزر ماركيساس حيث قضى زهاء الشهر في معية قبيلة لم تتأثر بالنفوذ الغربي.

وقد قاده الاختلاط بتلك القبيلة إلى الدفاع في كتابه "تايبي" (1846) -وهي أول مؤلفاته- عن أكل لحوم البشر، باعتباره شكلا من أشكال العدالة لا يفوق في همجيته طقوس عرض الجثث بعد تقطيعها إلى أربعة أجزاء، وهي عادة كانت سائدة قديما في بريطانيا.  

ولما كان كل واحد منا ينظر إلى العالم عبر منظار ثقافته هو -كما يعتقد ملفيل- فليس من حق أي مجتمع إذًا أن يدعي التفوق الأخلاقي على الآخر، ففي كتابه "هوايت جاكيت" -وهو المؤلف الخامس الذي أصدره في 1850- يتناول قصة مواطن بولينزي على متن فرقاطة أميركية كانت متجهة نحو نيو إنغلاند، وهو الذي لم يجرؤ على السفر خارج حدود وطنه من قبل.

في تلك القصة، يقول الراوي "كنا نبغض طعامه، وكان هو يأنف من طعامنا"، مضيفا "لقد نبذ عقيدتنا، واستنكفنا عقيدته"، والنتيجة هي أن "ما من أحد منا كان مخطئا، بل كلانا كان مصيبا" في ما يعتقده.

وفي محاضرات ألقاها سابقا عن تجاربه الشخصية، وصف ملفيل السفر بأنه وسيلة لنبذ التعصب الأعمى.

وبحسب إيكونوميست، لم تحقق روايات ملفيل التي تلت "موبي ديك" النجاح المأمول.

وتشير المجلة البريطانية إلى أن العديد من الأدباء المعاصرين فوجئوا عندما علموا أن ملفيل توفي في عام 1891، فقد كانوا يظنون أنه قضى نحبه قبل ذلك.

وفي أحد مقاطع الرواية يقول الراوي "جميع الرجال يعيشون محاطين بخطوط الحوت، يولدون جميعهم بحبال مشنقة حول رقابهم، لكن عندما يدرك البشر الموت السريع المفاجئ يفهمون مخاطر الحياة الصامتة والمتاحة دائما".

المصدر : الجزيرة