مغامرة قصيدة النثر.. هل الصور الشعرية المتخيلة جسر لجمالية التلقي؟

حفل التتويج بالمركز الثقافي في مراكش (الجزيرة)
حفل التتويج بالمركز الثقافي في مراكش (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

أثارت قصيدة النثر العربية في الشعر العربي الحديث جدلاً مستمراً منذ ستينيات القرن الماضي، بين رفض التقليديين لها من شعراء ونقاد باعتبارها خروجاً عن الممارسة الشعرية العمودية، وبين جيل جديد يرى أن الشعر ما هو إلا تشكيل كلمات تسلك المعنى والإيقاع الداخلي وتتخذ من الصور الشعرية المتخيلة معبرا نحو جمالية التلقي.

يقول الشاعر والناقد عبد الهادي روضي للجزيرة نت "نحن بحاجة اليوم للإنصات إلى تجارب شعرية تنتمي إلى قصيدة النثر، منغمسة في مستقبل الشعر العربي المتوقف مند عقود عن احتضان أي مغامرة شعرية، وعن دعم أي انفتاح على تحقق شعري جديد".

ويضيف روضي القادم من مدينة الدار البيضاء في حفل تتويج كتابه "معطف سوزان.. مسالك المعنى في قصيدة النثر العربية الجديدة وأكوان متخيلها الشعري" أن من يراهن على الإيقاع أو الوزن في قصيدة النثر يفقد الطريق إلى جمالية النص وإبداعيته.

 الكتاب المتوج والديوان الجماعي المحتفى بهما (الجزيرة)

تتويج
اختارت دار الشعر بمراكش في الدورة الثانية من "ملتقى حروف" أن تحتفي بروضي الفائز بجائزتها عن النقد الأدبي هذه السنة.

وفي أمسية نقدية وشعرية، ظلتها الكلمات واختلطت فيها مشاعر لحظات التتويج بالاعتراف، تحدث قليلا روضي بانسيابية متدفقة عن كتابه معتبرا إياه إشباعا ذاتيا، وفوزه فرحة متجددة، وأن ممارسة الكتابة لديه "متعة" ينصت من خلالها إلى ذاته ليشتغل ويطور من جهة الممارسة النقدية.

ويبرز الناقد عبد العزيز بومسهولي عضو لجنة التحكيم -والتي ضمت أيضا الأكاديميين والناقدين عبد العزيز الضويو وعبد الجليل الأزدي- أن الفائز القادم من عالم الشعر كتب من منظوره الخاص، لكن برؤية واضحة.

ويعتبر بومسهولي في حديث للجزيرة نت أن "قصيدة النثر" إشكالية، لا تجيب عن سؤال الشعر ولا سؤال النثر فقط، ولكن عن الوجود المشترك بينهما في قالب جمالي جديد يكتشف كل واحد الطرف الآخر في تماسك نصي تام وتناغم خطابي منسجم.

روضي: نحن بحاجة اليوم للإنصات إلى تجارب شعرية تنتمي لقصيدة النثر (الجزيرة)

الوعي بالكتابة
تتحدث إلى روضي فتجده يكتب بوعي وخلفية نقدية، يأخذ من الإبداع مسافة قريبة، يتذكر لما كان طالبا رسخت في ذهنه مقولة أن الشاعر عندما ينظر للشعر يخسره، ولكن بعد سنوات من الإنصات للذات والآخر يكتشف أن الشاعر وكل أديب يجب أن يسعى لأن يكون مشبعا بالخلفية النظرية، وإلا سيكون أمام كتابة مترهلة ساذجة.

ويبرز للجزيرة نت -في إحالة إلى البلاغي العربي عبد القاهر الجرجاني- أن كتابه الجديد يحاول أن يجيب عن كيفية تشكل المعنى داخل النصوص الشعرية، فهذا المعنى ليس مثل الفخر والرثاء والهجاء وغير ذلك كما هو متداول في القصيدة المعيارية، وإنما هو معان متشظية وقلقة، وحالات إنسانية عميقة يعيشها الشاعر وتجد صداها لدى المتلقي.

ويضيف أن المعنى لا يأتي بشكل تقرير فج، بل يلبس عباءة المتخيل الشعري التي يتأتى من المكونات البلاغية الشعرية الكبرى مثل التشبيه والاستعارة والرمز ولكن بنسق ورؤية تداولية، وهي صور أقرب إلى نفس المتلقي متمردة على المعايير التي ضبطت الصورة الشعرية القديمة.

الناقد بومسهولي (يمين) والباحث بوسريف في حفل التتويج (الجزيرة)

قصيدة ودهشة
ويتحفظ الباحث والأكاديمي صلاح بوسريف عن استعمال كلمة "قصيدة" في الشعر العربي الحديث، لأن الشعر في العربية كلمة "كثرة" توجد فيه القصيدة والزجل والرجز وغير ذلك.

ويبرز للجزيرة نت أن "القصيدة المعيار" لها سياقها الجمالي، وما تزال تثير فينا إلى اليوم الدهشة والغرابة من شعرائها الأساسيين والكبار مثل أبي العلاء والمعري وأبي الطيب المتنبي وأبي نواس.

لكن بوسريف مع كل انفتاح على منجز شعري جديد، فالشاعر البحتري قديما كتب وفق رؤيته الشخصية واختلف مع أستاذه الشاعر أبي تمام، وارتأى أن يؤسس لسياق آخر، لذا فشعراء اليوم بإمكانهم أن يكتبوا في أفق آخر مستقبلي يرتبط بكتابة أخرى تسعى إلى أن تكون شمسا تشرق داخل شمس أخرى، لا تلغيها ولا تزاحمها، لأنه واهم من يعتقد أنه هو "الشجرة التي تخفي الغابة".

ويأسف على أن الدراسات النقدية العربية تكتفي دائما بنفس النماذج من الشعراء، وتفتقد إلى التنوع الجغرافي العربي، ولا ينتبه النقاد إلى أن الشعر مجموعة من الأشجار التي تتنوع في أجناسها وأنواعها وفي تربتها وظلالها وخضرتها وثمارها.

 الحمري متوجة بمسابقة أحسن قصيدة (الجزيرة)

مكان للشعر
في الأمسية ذاتها، احتفت دار الشعر بالمتوجين بجائزة أحسن قصيدة، واختارت ثلاثة نصوص لشعراء شباب هي "من وحي القصيدة" لمحمد خويطي، و"رماد الأساطير" لعبد المالك مساعيد، و"كون جديد" لابتسام الحمري. 

يقول عبد الحق ميفراني مدير دار الشعر بمراكش للجزيرة نت إن الاحتفاء جاء أيضا من خلال طبع ديوان جماعي سمي "إشراقات شعرية" شارك فيه شعراء شباب من المغرب العميق الذي "ظل على الدوام يفرز أصواتا خلاقة في العديد من مجالات الإبداع الإنساني".

وتوالت على المنصة كل تلك الأصوات الشعرية فنقلت الحاضرين بكل تلقائية الشاعر من "وحي القصيدة" إلى عناوين أخرى لشعر يتدفق من القلب ليصل إلى القلب وليمنح "كونا جديدا" ويصغي لما "قالت المشكاة" ويلبي "نداء الشعر" ويحلم بـ "فجر لأجنحة العيد" ويكتب عن "معلقة على كعب الإنسانية". 

تتنوع العناوين فنجد في الشعر "ملاذ الإنسانية، سفر الكلمات، حيث الحياة"، وحين "تطعن أثينا أفروديت" أو "تنتخب بورما، بالشعر نغوص في العمق" وهو "الحرف، بحور الأحزان" وحين "تجمعنا الإنسانية، تطمح بنا الإعاقة".

 الحيمودي في قراءة شعرية (الجزيرة)

منفى الشاعر
ويقول يوسف الحيمودي أحد الشعراء الشباب للجزيرة نت "ما الشعر إلا حياة تتجدد في كل كلمة، ما هو إلا منفى الشاعر الجميل يحتمي به كل من جار عليه الزمن".

وتقول الزجالة والشاعرة الحمري للجزيرة نت "الشعر كلمات ورموز ومعان مفعمة بالجمال والعمق والإنسانية تتغلغل في الروح والنفس البشرية، وتكشف فطرتنا الصافية".

ولم يخف بوسريف سعادته وهو يقرأ النصوص المتوجة لأنه لمس فيها ارتعاشات الأيادي، وذلك التلكؤ في كتابة الحروف والكلمات والجمل والصور، وفي السعي "نحو إيقاعات تبدو في لحظات مقطوعات موسيقية تعزف على كمان لأول مرة".

ويختم عضو لجنة التحكيم إلى جانب النقاد والشاعر محمد مراح وعبد السلام الموساوي "انتصرنا لشعرية النص، وليس لشكله، وكيف استطاع الشاعر داخل الرعشات الأولى للكتابة أن يخلق صورة شعرية، وأن يوازي الصورة بالإيقاع، وهو يحتاج لنفتح أذرعنا لاحتضانه".

المصدر : الجزيرة