الإبداع الأدبي في الرواية.. تأرجح بين الإمتاع والإيلام

الروائي حسن المددي يرى أنه يمكن إمتاع القارئ بالحديث عن الألم نفسه (الجزيرة)
الروائي حسن المددي يرى أنه يمكن إمتاع القارئ بالحديث عن الألم نفسه (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

يشكل "الألم" في نظرية الإبداع الأدبي القيمة الأشد توترا، تجربة ورؤيا لدى المبدع، وأداة إمتاع ومؤانسة لدى المتلقي. ويتضاعف تبئير "الألم" في الأعمال السردية، والرواية خاصة، من حيث إن لها طولا معلوما، وزوايا نظر مختلفة.

بيد أن تجربة هذا "الألم" وإن كانت منطلقا لسرد الأحداث وتنامي مقومات المتون الروائية، سرعان ما تزداد عمقا أو تخفت حسب كل تجربة إبداعية، لاسيما عندما يتناغم الكون التخيلي للروائي مع الأحداث الواقعية، وبالتالي تتعمق إشكالات التلقي وفواصله بين حدود إمتاع القارئ وممكنات عيش الألم.

سؤال التأرجح بين "الألم" والإمتاع في الإبداع الروائي ومدى ممكنات الكتابة عنه أو بحسبه، يطرح نفسه في كل نقاش أدبي حول خطاب الرواية، حتى بات بعض أهل النقد الروائي والإبداع العام يتساءلون حول استحالة أو إمكان الكتابة في الجنس الروائي تحت وطأة الألم أو خارجه، أم أن الكتابة الروائية وسيلة إمتاع وإلهام سيكولوجي أو نقل لتوترات مزعجة.

الناقد عبد السلام أقلمون يعتبر أن الرواية لا يمكن أن تقدم موضوعها إلا بواسطة الإمتاع (الجزيرة)

إمتاع بالألم
يرى الشاعر والروائي المغربي حسن المددي أنه بالإمكان إمتاع القارئ بالحديث عن الألم نفسه، فالإبداع فضاء رحب يحتمل كل ما فيه من انزياح أو عدول، حتى لو تعلق الأمر بالألم ذاته، فروايات فيكتور هوغو -وخاصة "البؤساء"- ما تزال تمتع القارئ رغم سوداويتها ومأساويتها.

ويضيف المددي في حديث للجزيرة نت أن الروائي الأميركي المشهور ستيفن كينغ ألف أروع روايات الرعب وأوقعت المتعة لدى القارئ بالرغم من أنها مؤلمة ومخيفة، وكل من قرأ رواياته لن ينساها أبدا، بل إنها تغري بإعادة قراءتها مرات ومرات، ذلك أن روايته "صمت الحملان" خير دليل على إمتاع ملايين القراء، وبعدهم ملايين المشاهدين عقب تحويلها إلى فيلم رعب.

والشيء نفسه ينطبق على روايات دان براون مثل "شفرة دافنشي"، و"الحصان الرقمي"، و"ملائكة وشياطين"، و"الرمز المفقود"، و"الجحيم" وغيرها، لذا فالكاتب الحذق هو الذي يحول الواقع المؤلم إلى أعمال روائية تخيلية تجعل فعل القراءة مدخلا ممتعا لخلق الدهشة والغرابة لدى المتلقي.

الروائية أريج جمال تشبه الإبداع بلحظة ولادة إنسان جديد، شديدة الألم ومنتجة للحياة (الجزيرة)

منح الحياة
لكن هل يفترض أن يعيش الروائي رهبة الألم ليعيد صياغتها في قالب روائي وفق تقنيات سردية وطرائق متخيلة، أم أنه -لكونه صاحب صنعة- يسرد الأحداث وفق رؤيته للعالم وإن لم يعش تجارب مماثلة لما يحكيه.

تقول الروائية المصرية أريج جمال صاحبة رواية "أنا أروى يا مريم" عن ثورة 25 يناير، إن هذا الحدث بما حمل من آمال وأيضا من آلام كبيرة كانت مهمة في حياتها، عاشتها بكل أحاسيسها وكيانها وغيرت رؤيتها للعالم.

وتشبه الكاتبة في حديث للجزيرة نت الإبداع بلحظة ولادة إنسان جديد، شديدة الألم ومنتجة للحياة، وهو أيضا جزء من مسار حياة لا ينفصل عنها، لذا فالأهم لديها ليس الألم في حد ذاته، وإنما المستويات السردية وتنوع صيغ الحكاية، فعندما تحضر مواضيع معينة في الرواية مثل سلب الحرية أو الموت أو العنف، فإنما يتم استحضارها كقيمة جمالية وأنثولوجية خلال الكتابة.

من جهته يعتبر الروائي حسن المددي أن الكاتب الجيد هو من يخلق التجربة، وبموهبته وقدرته على الخلق والإبداع يستطيع نسج تجارب مختلفة تنبع من قلب المجتمع الذي يعيش فيه، فهو مرآة عاكسة لمجتمعه، وليس شرطا أن يعيش الكاتب تجربة الألم ليكتب عنها.

صنعة
بدورها، الروائية المغربية والكاتبة باللغة الأمازيغية خديجة الكجضى التي تعج رواياتها "تيساتين" (المرايا) بالأحداث الدرامية، تبرز في حديث للجزيرة نت أن ذات الروائي واعية ومدركة تتأثر وتؤثر في محيطها الاجتماعي، وهو بالتالي حامل ومعبر عن مشاعره أو مشاعر المجتمع الذي يعيش داخله، سواء أكانت مشاعر الحب أو الألم أم اللذة أو الوجع أو غيرها من المشاعر الحاملة لهموم الفضاء المعبر عنه.

وفي هذا الصدد يعتبر الباحث والناقد المغربي عبد السلام أقلمون في حديثه للجزيرة نت أن الرواية لا يمكن أن تقدم موضوعها إلا بواسطة الإمتاع، لكن مع القدرة على توظيف كل مكونات الخطاب السردي لتجعل القارئ تحت وطأة المتابعة إلى نهاية عملية الحكي.

وتضيف الروائية خديجة أن الروائي يهدف من خلال إبداعاته إلى إمتاع المتلقي في المقام الأول، لكنه يفعل ذلك عبر توظيف أساليب التراجيديا أحيانا أو السرد السلس لأحداث الرواية أحيانا أخرى، لينسجم القارئ مع أحداثها وأحاسيس شخصياتها ويتفاعل معها.

الروائية خديجة الكجضى أوضحت أن ذات الروائي تتأثر وتؤثر بمحيطها الاجتماعي (الجزيرة)

تشويق
وللقدرة على شد القارئ إلى نهاية الرواية واستمتاعه بها دور بارز في إبداعية أي رواية، لذا يبرز الأستاذ أقلمون أن تسويغ الموضوعات للقارئ لأن تكون في صوغ سردي ملائم ومثير لجمالية التلقي، يسمى التشويق، وهو الوجه الضروري للإمتاع في الكتابة الروائية وإن كانت الرواية تحمل أحداثا مؤلمة.

ويضيف أن مع هذا التشويق الذي يعتبر حيلة من الحيل السردية للإمساك بالقارئ، يتم تمرير كل الموضوعات الأخرى التي لا تكون في الغالب إلا موضوعات حزينة، بما أن الرواية منخرطة في الالتزام بقضايا المجتمع وهموم الإنسان.

ويعتقد هذا الأكاديمي أن الرواية ليست هذيانا كما قد يتوهم البعض، فأصالة الروائي أنه صاحب صنعة بديعة، يوجه عبر آليات تواصلية معلومة رسالته إلى المتلقي قصد تطهيره والتأثير عليه بصفته كاتبا مسؤولا وواعيا بما يكتب في ظرف معين هو زمن الكتابة، نحو قارئ واع ومسؤول في ظرف معين هو زمن القراءة، وتفاعل هذه الأزمنة داخل الرواية يجعل منها خطابا ملتزما بمسؤولية ممكنات فعل الكتابة.

أما أريج فتوضح أن التشويق لا يتناقض مع الإيضاح في الرواية، ونظم ذلك الخيط الخفي بين القارئ والمتلقي للتواطؤ على الإمتاع والتمتع في قراءة الرواية.

أما الروائي المددي فيخلص إلى أن خيال الكاتب هو مصدر ملكته وقدرته على الإبداع، ولا يمكن لكاتب لا خيال له أن يخلق الدهشة والإمتاع لدى القارئ، إذ لا سبيل له إلى ذلك إلا بتفجير الطاقة الإبداعية للنص الأدبي التي تمنحه سموا جماليا لا تخطئه ذائقة القارئ الفطن.

المصدر : الجزيرة