مهرجان "كناوة" بالصويرة.. موسيقى روحية تسعى لاعتراف اليونسكو

منظمو مهرجان كناوة بمدينة الصويرة المغربية يسعون لاعتراف في سجل التراث اللامادي للإنسانية (الجزيرة)
منظمو مهرجان كناوة بمدينة الصويرة المغربية يسعون لاعتراف في سجل التراث اللامادي للإنسانية (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-الصويرة

تنطلق هتافات الجمهور حماسية بساحة مولاي الحسن بمدينة الصويرة المغربية حين يظهر الفنان حسن بوسو على الخشبة إلى جانب أعضاء فرقته الموسيقية بألوان ملابسهم الزاهية وقبعاتهم المرصعة بالأحجار.

مع أول ضغط لإبهامه على أوتار آلة "الهجهوج" أو "الكنبري" وبداية انبعاث ألحانها، يزيد حماس الجمهور ليصل ذروته بعد أن يدخل هذا "المعلم الكناوي" في أوج انسجامه مع موسيقاه وهو ينشد، إلى جانب فرقة أوشين ديل مونتي القادمة من هافانا الكوبية، المقطوعة الشهيرة "العفو يا مولانا".

يقول الفنان حسن بوسو الذي افتتح مهرجان كناوة وموسيقى العالم هذه السنة، للجزيرة نت "كل عام تعيش الصويرة على إيقاع نغمات موسيقى كناوة الروحية، تنهل من جذورها الأفريقية وبصمتها الصوفية لتنفتح على عوالم جديدة وتنمح للسامعين لحظات ممتعة".

لحظات فنية
هي لحظات فنية عاشها عشاق هذا الفن على مدى أربعة أيام (اختتم الأحد) بمدينة النوارس وسط أجواء مفعمة بروح التسامح والتعايش، استمتعوا فيها بالرقص على أنغام موسيقى راقية تحمل إرثا حضاريا أفريقيا وأمازيغيا وعربيا على أرض مغربية.

فرقة كناوية تقدم عروضها الفنية في ساحة مولاي الحسن (الجزيرة)

بدأ المهرجان بكرنفال جال شوارع المدينة القديمة، قدمت فيه فرق موسيقية، من مثل كناوة وعيساوة وأحواش، معزوفاتها التقليدية وسط حضور حاشد، في حين شهدت إحدى فقراته المتنوعة تكريم عازف البيانو الراحل "رودي ويستون" والفنان المغربي الراحل "المعلم" أحمد العرايشي.

وينفتح المهرجان على "موسيقى العالم" وبها يكتمل اسمه، وهي تستقي من روح "كناوة" ذات النفحة الروحية وترتبط بوجع العبيد وبحركة التحرر من النخاسة في كل المجتمعات الإنسانية، وفقما يقول الفنان حسن بوسو.

ويعتبر نجل الفنان الراحل حميدة بوسو أن ذلك الانفتاح يسمح للجمهور بالتعرف على أنماط أخرى من الموسيقى ويتذوقها ويستمتع بها في أوقات لا تنسى.

في حين يؤكد مدير المهرجان وصاحب فكرته منذ 22 سنة "المعلم" عبد السلام عليكان للجزيرة نت أن مزج هذه الأنواع من الموسيقى فتح للفنانين المجال للإبداع والبحث عن النقاط المشتركة، و"تسوية نوتاتهم" للحصول على مقاطع موسيقية وعروض فنية تلقى استحسانا كبيرا من الجمهور والمهتمين والنقاد.

الفنان حسن بوسو يعزف موسيقى كناوة بساحة مولاي الحسن في مدينة الصويرة (الجزيرة)

هدوء وشغف
في أيام المهرجان هدأت الرياح قليلا في مدينة الرياح على غير العادة وكأنها تأذن بأن تأخذ مكانها نغمات موسيقى كناوة تحرك بها المشاعر الإنسانية وتتيح للراقصين على أنغامها لحظات من الاستراحة من متاعب الحياة.

توالي صعود "المعلمين" إلى الخشبة يلهب حماس الروح، كل زائر للمدينة الساحلية يستمتع أكثر بفنانه المحبوب، كما يقول كريم عزري شاب قدم من ورزازات جنوبي المغرب ليحضر المهرجان.

ويضيف عزري للجزيرة نت "يميل كل متذوق لموسيقى كناوة لفنان محبوب، فأحدهم قد يستهويه المعلم عمر حياة بإشراقاته الروحية حين يصدح بكلماته القوية، وآخر يعجبه المعلم باقبو وعزفه الأنيق المستمر على آلة السنتير".

ويستطرد عزري وهو لا يتوقف عن الالتفات إلى الخشبة بكل شوق وتلهف، "من الشباب من يفضل موح كوياطي عازف الغيتار وكاتب الأغاني الشهير، أو العزف المزدوج للأب والابن عبد الكبير وهشام مرشان، ومنهم من يزيد حماسه حين يمزج المعلم سعيد أوغسال وخورخي باردو موسيقاهما في تناغم تام".

نائلة التازي: مهرجان كناوة حكاية إنسانية جميلة ورائعة (الجزيرة)

اعتراف دولي
وتحظى مدينة الصويرة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى قرون خلت، باعتراف من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) لما تزخر به من موروث ثقافي، ويحرص منظمو المهرجان على الرفع من مكانة موسيقى "تكناويت" ليتقوى حضورها أيضا في سجل هذه المنظمة الثقافية العالمية كتراث إنساني لا مادي.

ويتفاءل عبد السلام عليكان خيرا بالاجتماع السنوي لليونسكو في كولومبيا في ديسمبر/كانون الأول المقبل، حين تنظر لجنة مختصة في ملف موسيقى كناوة.

ويشيع بين الجميع في هذا المحفل الغنائي الجميل أمل الاعتراف الأممي، ويؤكده "المعلم" بوسو بقوله إن هذا التراث اللامادي يستحق هذا الاعتراف لأنه يتوفر على كل مقومات ذلك ويستند إلى جذور ضاربة في التاريخ ومرتبطة بشعوب في مناطق متفرقة.

بدورها تبرز منتجة المهرجان نائلة التازي للجزيرة نت أن مهرجان كناوة حكاية إنسانية جميلة ورائعة، نقلت فنان كناوة من الهامش والظل إلى الضوء وإلى العالمية.

وتضيف أن "الاعتراف من اليونسكو ليس هدفا نهائيا، بل هو مرحلة من أجل الاستمرار في الاهتمام بهذا الفن الجميل، وإعطائه المكانة التي يستحقها".

عبد الوهاب رفيقي: للموسيقى دور كبير في محاربة ثقافة العنف وتجلياته (الجزيرة)

عنف وثقافة
وعرف المهرجان تنظيم ندوة فكرية على مدى يومين حول "قوة الثقافة في مواجهة ثقافة العنف"، شارك فيها عدد من المثقفين الذين أجمعوا على أن للموسيقى قوة هائلة من أجل مناهضة ثقافة العنف.

ويقول الروائي عبد الكريم الجويطي للجزيرة نت إن من يبدع الموسيقى ومن يستمع إليها ويتذوقها يضع نفسه في خانة بعيدة عن العنف، وإن الموسيقى ومنها "كناوة" تخاطب الروح وتحرك الجسد، والعنف على النقيض من ذلك يعتدي عليها.

ويشير إلى أن المهرجان الذي يأتيه الناس من مختلف أنحاء المغرب ومن الخارج للاستمتاع بلحظاته الجميلة، هو رد مناسب على الكراهية، مؤكدا أن الفن المبدع هو المؤتمن على بناء مشترك الإنسان ومحاربة كل أشكال التنميط وفرض الرأي الواحد.

في حين يقول الأكاديمي عبد الوهاب رفيقي للجزيرة نت إن للموسيقى دورا كبيرا في تهذيب الروح ومحاربة ثقافة العنف وتجلياته، فبُعد عدد من الشباب عن الفن والموسيقى يتركهم عرضة للجفاف الداخلي ولقمة سائغة للمتطرفين.

ويوضح رفيقي أن حماية الشباب بواسطة الفن من الانحراف هي قضية مجتمعية ومسؤولية مشتركة بين كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، لأنها مرتبطة بتربية الذائقة على الفن وعلى الجمال.

بدأ المهرجان كما اختتم وسط أجواء احتفالية ليضرب لهواة هذا النوع الموسيقى الروحية موعدا جديدا للباحث التواق إلى تهذيب الروح ومتعة الألحان.

المصدر : الجزيرة