كناية عن الحاكم وذم للقوم.. هجاء المدن بالشعر العربي قديما وحديثا

صورة تعود للقرن التاسع عشر ترصد أطلال مدينة بعلبك اللبنانية (غيتي)
صورة تعود للقرن التاسع عشر ترصد أطلال مدينة بعلبك اللبنانية (غيتي)

عمران عبد الله

لا يعد مديح الشاعر لوطنه غريبا، فقد دأب الشعراء على التغني والحنين إلى الوطن والأهل والشكوى من الاغتراب، لكن ديوان العرب حمل إلينا أيضا صورا من هجاء الوطن وذم المدن وحتى الهجوم على أهلها وحكامها، مثلما فعل المتنبي قديما عندما ارتحل عن مصر وهجاها وأهلها وحكامها.

وفي الشعر العربي المعاصر امتلأت دواوين الشعر بقصائد هجاء الوطن، وكتب الشاعر العراقي المعاصر أحمد مطر قصيدته الشهيرة "يسقط الوطن" وختمها قائلا

تف على هذا الوطن!

وألف تف مرة أخرى!

على هذا الوطن

من بعدنا يبقى التراب والعفن

نحن الوطن!

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن!

إن لم يكن بنا كريما آمنا

ولم يكن محترما

ولم يكن حُرا

فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!

المدينة كناية عن الحاكم
يبدو من تتبع الشعر العربي القديم والمعاصر، أن هجاء المدن ارتبط بعلاقة الشاعر بالحاكم في كثير من الأحيان، فالشعراء كانوا ندماء الخلفاء، وكثيرا ما ينقلب وداد السلطان على ندمائه فيصبح الشاعر الذي يرفل في بلاط الحاكم وعطاياه، منبوذا من الحضرة السلطانية ومحروما من مكانته في المدينة، وحينها ينقلب مديح الشاعر هجاء كما فعل المتنبي.

كان أبو الطيب المتنبي من شعراء بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، وكافأه سيف الدولة على قصائده وكانت بينهما مودة، غير أن كبرياء المتنبي وطموحه أغرى عليه الحساد والوشاة الذين أوقعوا بين الأمير والشاعر الذي خاب أمله بعدم دفاع الأمير عنه ممن اعتدى عليه، فغادر بلاط حلب متنقلا في البلدان حتى وصل إلى مصر ومدح صاحبها كافور الإخشيدي.

ولكن ما وقع عند أمير حلب تكرر مع حاكم مصر، الذي انقلب عليه المتنبي لإهماله إياه وشتمه قائلا:

ما كُنْتُ أحسبُني أحيا إلى زمنٍ  يُسيئُ بي فيهِ كلبٌ وهُوَ محمودُ 

وشمل المتنبي بهجائه المدينة، فقال عن مصر التي لم تحفظ لأبي الطيب مقامه:

أكلما اغتالَ عبدُ السوءِ سيدَهُ   أو خانَهُ فلهُ في مصر تمهيدُ

نامتْ نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبِها  فقدْ بشِمْنَ وما تفنى العناقيدُ

صارَ الخصيُّ إمامَ الآبقينَ بها  فالحُرُّ مُستَعْبَدٌ والعبدُ معبودُ

ولم يتكفِ المتنبي بهجاء المدينة بل هجا أهلها مقرعا إياهم، وقال:

إني نزلْتُ بكذابينَ ضيفُهُمُ   عن القِرَى وعن الترحالِ محدودُ

جودُ الرجالِ من الأيدي و جودُهُم   من اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ

ما يقبضُ الموتُ نفسًا من نفوسِهِمُ  إلا وفي يدِه من نتْنِها عودُ


وإن كان المتنبي هجا مصر لحاكمها، فقد هجا الشاعر الأندلسي أبو بكر بن بقيّ بلاده بسبب ضيق عيشه وكسبه فيها، بعد أن شهد تحول أحوالها في زمن ملوك الطوائف وقال:

أقمت فيكم على الإقتار والعدم  لو كنت حرّاً أبيّ النفس لم أقم

وظلت أبكي لكم عذرا لعلكم   تستيقظون وقد نمتم عن الكرم

لا رزق لي عندكم لكن سأطلبه   في الأرض إن كانت الأرزاق بالقسم

فلا حديقتكم يجنى لها ثمرٌ   ولا سماؤكم تنهلّ بالدّيم

أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلسٍ  جئت العراق فقامت لي على قدم

وعرف عن ابن بقيّ أنه عاش متنقلا بين البلدان بحثا عن الرزق وكسب العيش، ولم يعرف لو وطن مستقر، واختلف المؤرخون حتى في مكان ميلاده واسم أبيه، ولكن موهبته الشعرية البديعة وظهوره في عصر الأمير الشاعر المعتمد بن عباد وشهادته على سقوط آخر ملوك بني عبَّاد على إشبيلية ونفي الأمير إلى المغرب جعلته ساخطا على مدن الأندلس والمغرب التي قال فيها أيضا:

أوغلت في المغرب الأقصى وأعجزني  نيلُ الرغائب حتى أبت بالندم

وبلغ بعض الشعراء مبلغا كبيرا في الاعتداد بالنفس وإنكار فضل الآخرين، ومنهم شاعر العصرين الأموي والعباسي أبو نُخَيلَة الراجز الذي لم تمنعته دمامته من هجاء اليمنيين قائلا:

لم أرَ غيري حسنا

منذ دخلت اليمنا

فيا شقاء بلدة

أحسن مَنْ فيها أنا

ونقل ياقوت الحموي في كتابه الشهير "معجم البلدان" عن القاضي أبو علي المسبحي قوله في سجستان:

حلولي سجستان إحدى النوب

وكوني بها من عجيب العجب

وما بسجستان من طائل

سوى حسن مسجدها والرطب

وعقب الحموي على الأبيات قائلا إن سجستان قد لا تكون المنطقة المعروفة بهذا الاسم من خراسان التي تقع معظمها حاليا في أفغانستان، لكنها قد تكون قرية بالبصرة تحمل الاسم ذاته.

وحظيت مدينة بخارى العريقة التي تقع في أوزبكستان بهجاء كثير من شعراء وجدوا في حروفها فرصة للنيل منها والتلاعب اللفظي باسمها، ونسب الأديب العربي عبد الملك الثعالبي النيسابوري في كتابه "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر" للمتنبي قوله عن بخارى:

بخارى كل شيء منك يا شوهاء مقلوب

قضاة الناس ركاب  فلم قاضيك مركوب

وفي بحثهما عن "هجاء المدن في الشعر العربيّ" يرى الباحثان اللبنانيان الأميركيان بلال الأورفه لي وهدى فخر الدين أن الهجاء اللاذع للمدن قد يعد نوعا من التنافس بين الشاعر والمدينة، فالأمر شخصي وفردي، إذ يتصور الشاعر أن شخصيته وشخصية المدينة متقابلتان.

ويضيفان في البحث الذي طبعته جامعة إدنبرة أن العلاقة بين الشاعر والمدينة تتغير مع مرور الوقت، وتضعف شخصية الشاعر الراحل بمرور الزمن أمام شخصية المدينة المستمرة والسائدة.

وسواء كان الأمر تنافسا أم مكابدة تجربة، تبدو التجربة الذاتية والموقع الشخصي مؤثرين للغاية في نظرة الشاعر للمدينة، فالمدينة لا تكتسب صورتها الشعرية من وجودها المجرد بل من تجربة الشاعر فيها، فهذا المتنبي يمزج بين المكان والمكانة الاجتماعية قائلا:

إذا تَرَحّلْتَ عن قَوْمٍ وَقَد قَدَرُوا  ألا تُفارِقَهُمْ فالرّاحِلونَ هُمُ

شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ  وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ

المدينة والشعر الحداثي
وفي العصر الحديث اكتسب المكان نواحي جمالية إضافية وظفها الشاعر للتعبير عن موقفه الفكري أو الاجتماعي أو السياسي أو مذهبه الفني، فالمدينة هي الوطن البعيد أو المنفى الحزين.

والمدينة أيضا هي مقابل الريف عند الشاعر العراقي سعدي يوسف الذي يحن في قصيدتيه "حمدان" و"القرية" لمشاهد طفولته الريفية الجميلة، يلوذ بها من قسوة المدينة وبؤسها.

وأسهب سعدي في مقت المدينة وذم محطة القطار والسجن باعتبارها معالم مدنية ورمزا للظلم والغربة، وفي قصيدته "البحث عن خان أيوب في حي الميدان بدمشق" يقول:

مضى زمن كانت المدن العربية فيه ثغورا

لقد جاءنا زمن المدن المصرفية

وعند شعراء حداثيين مثل أدونيس وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي تظهر المدينة كإحدى الثيمات البارزة باعتبارها نموذجا معماريا تبنى عليه القصيدة الحديثة، وتجسيد لجمالية الشعر الحديث التي تنبثق من الطبيعي والاصطناعي بحسب الباحثين بلال الأورفه لي وهدى فخر الدين.

وتصبح المدينة التي تترجم إحباطات الشاعر وخيباته مادة خصبة للهجاء، فذم أدونيس وخليل حاوي بيروت، وقال عنها محمد الماغوط "لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء"، وهجا أحمد عبد المعطي حجازي القاهرة في قصيدته بعنوان "الطريق إلى السيدة".

وتقدم المدينة بشوارعها وتفاعلها نموذجا بنويا للقصيدة الحداثية، وتبدو متاهة المشهد المدني المتغير بشكل مستمر انعكاسا لأشكال الشعر الحداثي الجديدة ومصدر إلهام لها، وهي الأشكال التي ما تكون دائما في طور التكوين بحسب الباحثين المتخصصين بالأدب العربي.

ورغم أن "الإفلات من المدينة" يكاد يكون مستحيلا بالنسبة إلى الشعراء الحداثيين، يبدو التناقض بين واقع المدينة وصورتها المجازية محفزا على المزيد من النقد اللاذع والهجاء المقذع.

المصدر : الجزيرة