لكش العراقية.. أكبر موقع أثري يتعرض للإهمال والسرقة

مسلة البناء في لكش حيث تصور كيف كان الناس يبنون مدينتهم (الجزيرة)
مسلة البناء في لكش حيث تصور كيف كان الناس يبنون مدينتهم (الجزيرة)

علاء كولي-ذي قار

يعد موقع مدينة لكش أو ما يسمى محلياً (تلول الهباء) أكبر المواقع الأثرية في الشرق الأوسط بحسب خبراء الآثار، حيث يبرز بمحيط مساحته 25 كلم مربع، ويقع بالقرب من مدينة الدواية، شمال شرق محافظة ذي قار، حيث بدأ التنقيب فيه أول مرة عام 1886.

وعلى الرغم من الأهمية -التي تحظى بها مملكة لكش السومرية الواقعة بمحافظة ذي قار، جنوبي العراق- لدى الباحثين والمهتمين في مجال الآثار والتنقيب حول العالم، واعتقادهم أن الاكتشافات المتوقعة فيها من شأنها أن تغير الكثير من القناعات المتعلقة بتاريخ العراق القديم، لكن هذه المدينة لا تزال مندثرة ومهملة، وتتعرض للسرقات منذ اكتشافها قبل أكثر من 130 عاما. 

المدينة القديمة
تختفي تحت (تلول الهباء) اليوم قصور مدينة لكش ومعابدها الكبيرة، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عصر فجر السلالة السومرية الأول بحدود الألف الثالث قبل الميلاد، على يد الملك (أور-نانشة).

ويعود أهمية المدينة كونها شهدت تطورا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ويعتقد المختصون في الآثار أن من الممكن أن تشكل الاكتشافات الأثرية في هذا الموقع تغييرا في الكثير من الدلائل التاريخية.

وتأتي أهمية هذا الموقع الأثري، بحسب ما يقول عامر عبد الرزاق المنقب الآثاري ومدير متحف الناصرية الحضاري، إلى صلتها مع مملكتي أور وأريدو القريبتين منها، وتتبع لها العاصمة الدينية (كرسو) والتي لطالما أثارت اهتمام المختصين بمجال الآثار حول العالم.

ويضيف عبد الرزاق، للجزيرة نت أن (تلول الهباء) تمتد على محيط 25 كلم مربع، وبالتالي تم تسجيلها على أنها أكبر تلول أثرية في الشرق الأوسط، وتؤدي ضآلة فرص التنقيب فيها منذ اكتشافها لمجئ الكثير من باحثي الجامعات العالمية ومنقبي الآثار إليها لغرض الدراسة والتنقيب ومعرفة تاريخ هذه المدينة.

وتعتبر لكش مدونة تاريخية لثقافة وأدب وسياسة تلك الحقبة المهمة من التاريخ العراقي القديم لما تركته من آثار ساعدت الباحثين على فهم تلك الحقبة خصوصا أن هذه الدويلة تتكون من ثلاثة مواقع مهمة هي نينا، تل زرغل المدينة الميناء لدولة لكش، مدينة كرسو العاصمة الدينية لدولة لكش، لكش نفسها العاصمة السياسية لهذه الدولة).

جانب من آثار مملكة لكش (الجزيرة)

تاريخ التنقيب
بدأ التنقيب في لكش عام 1886 على يد الآثاري الألماني كولد واي. وفي عام 1952 نشر الأميركي جاكبسون دراسة عن لكش لفتت الانتباه إلى هذا الموقع، الأمر الذي جعل جاكبسون نفسه يقود رحلة استكشافية مع الآثاري العراقي فؤاد سفر، بحسب ما يؤكد ذلك المهتم بالآثار والمترجم ليث سهر للجزيرة نت.

ويلفت سهر -الذي رافق عددا من بعثات التنقيب في بعض المواقع الأثرية في ذي قار كمترجم- إلى أنه في عام 1984 نُقب في مدينة لـكش من قبل البعثة الأميركية التابعة لمتحف المترو بوليتان للفن ومعهد الآثار في جامعة كاليفورنيا برئاسة الدكتورة البزايين كارتز.

وفي عام 1990، بحسب ما يقول سهر، عاد التنقيب للموقع من قبل البعثة الأميركية المشتركة من معهد الفنون الجميلة ومتحف مترو بوليتان في نيويورك ومتحف جامعة بنسلفانيا، إلا أن الظروف السياسية للبلد أدت إلى توقف التنقيب منذ ذلك الوقت حتى الربع الأول من عام 2019، حيث باشرت بعثة أميركية برئاسة الدكتورة هوني بثمن وباحثين من جامعة بنسلفانيا الأميركية، لتستهل عملها في موسمها التنقيبي الأول. 

جدار من الطابوق الصدفي الذي يشبه صدف الاسماك في لكش (الجزيرة نت)

ماذا أكٌتشف في لكش؟
يؤكد المترجم سهر بأنه بحسب الخبيرة الآثارية أوكيستا ماكماهون فإن أهم ما عثرت علية البعثة هو اكتشاف المنطقة الصناعية في لكش العام 2019، وهي منطقة مخصصة للمعامل والورش، وكان من ضمن أهم ما أكتشف في الموسم الأول.

ويبدو أن التنقيب في هذا الموقع يحتاج إلى وقت طويل بسبب مساحته الشاسعة وبحسب ما وفرته الرقم الطينية، وهي ألواح كتابة طينية بابلية مدون عليها بالخط المسماري وباللغتين السومرية والآكدية، وتعد من أهم الوثائق التأريخية القديمة التي تحدثت عن وجود معابد بتسميتها القديمة كمعبد النور الوحشي ومعبد الخوف ومعبد الصولجان والرصيف النقي وغيرها، الأمر الذي سيجعل التنقيب فيه تحديا كبيرا.

خلال هذه المواسم التنقيبية الطويلة وجد الآثاريون الكثير من القطع الأثرية التي حفظت في المتاحف العالمية وأصبحت أيقونات مرتبطة باسم دويلة لكش السومرية مثل مسلة النسور (العقبان) التي تؤرخ لنصر لكش في صراعها مع دويلة أوما المجاورة و (إناء انتيمينا) الفضي الشهير والكثير من التماثيل و الأختام والرقم المسمارية التي تعكس ثقافة وأدب وسياسة ومعتقدات تلك الفترة في تلك الدولة السومرية.  

سرقة الموقع
يؤكد المترجم سهر أن الموقع الأثري لم يتعرض إلى أي عمليات نهب أو سلب طوال الظروف السياسية والأمنية التي مرت بالعراق، والانفلات الأمني الذي يحصل مع كل ظرف بقي هذا الموقع محافظا على مكانته، بسبب وقوعه بين قرى وظٌف أبناؤها في حماية هذا الموقع.

والسبب الآخر -الذي جعل عمليات النهب والتنقيب العشوائي في هذا الموقع محدودة جدا- هو إحاطته به بشكل تام بهور (الجبشية) الذي ساعد وأصبح كحام طبيعي له من المخاطر الخارجية. 

جانب من موقع لكش ويظهر فيه بقايا أوان فخارية (الجزيرة نت)

خطط للتنقيب
ويهدف مجلس محافظة ذي قار، وهو الجهة التشريعية، إلى تبني خطط مستقبلية بشأن المواقع الآثارية في المحافظة، حيث كشفت لجنة السياحة والآثار عن مساعيها لتطوير وفتح الباب أمام البعثات الأجنبية، من أجل المزيد من الاكتشافات المهمة التي من المؤمل أنها قد تلفت الانتباه العالمي لهذه المدينة وتصبح مكانا سياحيا عالميا، بحسب ما يؤكد ذلك عضو اللجنة سعد البدري للجزيرة نت.

ويؤكد البدري أن ذي قار تمتلك أكثر من 1200 موقع أثري، وما تم التنقيب عنه شيء بسيط، وبالتالي يحتاج لخطط عملية كبيرة للنهوض بجانب السياحة، كما أن وجود كلية للآثار بالمحافظة سيسهل ويساهم في رفد فرق التنقيب بكوادر كثيرة يمكنها التنقيب في أي موقع أثري بالمحافظة.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: