ذاكرة تبني وطنا.. التاريخ الشفوي للشعب الفلسطيني على خارطة تفاعلية

المشروع سيقوم بحفظ المعلومات وتأمين الوصول إليها عبر منصة رقمية (الجزيرة)
المشروع سيقوم بحفظ المعلومات وتأمين الوصول إليها عبر منصة رقمية (الجزيرة)
عمران عبد الله

لأن النكبة رسمت خطا فاصلا في المكان والزمان أصبحت معه الذاكرة والهوية محل تهديد، يسعى مشروع الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني لتوثيق الشهادات التي تبرز القضايا التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون سواء كانت اقتصادية أو قانونية أو اجتماعية.

ونظم معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت مؤتمرا دوليا يومي 12 و13 يونيو/حزيران، لإطلاق أرشيف التاريخ الشفوي الفلسطيني، بالتعاون مع مكتبات الجامعة الأميركية في بيروت وأرشيف النكبة ومركز المعلومات العربي للفنون الشعبية (الجنى)، وبدعم من "الوقف الوطني للعلوم الإنسانية".

وشارك في المؤتمر أكثر من عشرين باحثا من بلاد مختلفة قدموا أبحاثا حول دور المرأة في التاريخ الشفوي، واستخدام أدوات المسح الرقمي للبيانات، والتاريخ الشفوي بوصفه علما من علوم الأثنوغرافيا، ونظريات وطرق أرشفة التاريخ الشفوي، كما كرم المؤتمر ثلاث رائدات في مجال التاريخ الشفوي وهن روزماري صايغ وبيان الحوت وفيحاء عبد الهادي.

منصة رقمية
ويستند مشروع الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني لمجموعة من المحفوظات تحتوي على أكثر من ألف ساعة من الشهادات أدلى بها الجيل الأول من الفلسطينيين في لبنان، وسيقوم المشروع برقمنة المعلومات وفهرستها وحفظها وتأمين الوصول إليها عبر منصة رقمية بأحدث التقنيات، بالشراكة مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية.

ويسعى المشروع إلى التوسع في رقمنة مجموعات أخرى من التاريخ الشفوي التي توثق جوانب متعددة من التجارب في لبنان والمنطقة، ويتم إنجاز هذا المشروع استنادا لمقابلات جرت في التسعينيات وجرى توثيقها بواسطة مكتبات الجامعة الأميركية في بيروت وأرشيف النكبة ومركز المعلومات العربي للفنون الشعبية.

ويقول الكتيب التعريفي للمشروع إن أبرز استخدام لفكرة التاريخ الشفوي في السياسات العامة كان عبر لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا التي تشكلت عام 1995 في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، وأتاحت لضحايا العنف ومرتكبيه أن يعبروا عن الخبرات التي مروا بها، ويرى المشروع أن شهادات الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني تقدم تجربة مشابهة لتوثيق تأثير النكبة والاغتراب الفلسطيني في اللاجئين وتسهم في إيجاد سياسات عامة أكثر عدالة.

وغطت المقابلات قضايا الحياة اليومية في فلسطين ما قبل عام 1948، فضلا عن الظروف الراهنة في مخيمات اللاجئين في لبنان التي تعاني من غياب الحقوق الأساسية.

ويهدف الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني للحفاظ على هذه الشهادات وتصنيفها وجعلها متاحة أمام الباحثين والناشطين وصناع السياسات والمهتمين بقضايا التاريخ الفلسطيني الحديث ودراسات اللاجئين وقضايا حقوق الإنسان، وكذلك الرعاية الصحية والدراسات الحضرية والحق في العودة، فضلا عن التاريخ الاجتماعي والذاكرة والهوية وغيرها.

وتشجع المنصة الإلكترونية على إنتاج روايات بديلة بالتركيز على الأصوات الفلسطينية والتاريخ الاجتماعي، وتأمل أن تسهم في صنع سياسات عامة تمثل الأشخاص المهمشين وتسد الثغرات في الفهم العلمي السائد للتاريخ الفلسطيني، كما تسعى لأرشفة الشهادات لتصبح متاحة أمام المجتمع الفلسطيني والطلاب والباحثين.

النكبة بعين أبنائها
وتشير نكبة عام 1948 إلى أحداث الغزو الاستعماري الصهيوني لفلسطين وإقامة إسرائيل التي هجرت وطردت ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من بلادهم ودمرت 418 قرية أو أخلتها من السكان، وتسببت في نزوح 86% من الفلسطينيين واحتلت 77% من الأراضي الفلسطينية، بحسب الكتيب التعريفي بالمشروع.

وبعد حرب 1976 ضمت إسرائيل القدس الشرقية والضفة وغزة، مع استمرار حدة التوغل الاستيطاني ونمو المستوطنات غير الشرعية حتى الآن إذ يعيش قرابة 600 ألف مستوطن بصورة غير شرعية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بحسب المعلومات الأساسية التي يستند إليها المشروع الذي يعتبر أن "استخدام التاريخ الشفوي في صنع السياسات يمكن أن يسهم في تشكيل توصيات حول السياسات المتعلقة بدور الهوية والتراث في تحقيق العدالة".

وفي لبنان التي تضم 12 مخيما للاجئين الفلسطينيين يعيش فيها حوالي 53% من أصل نصف مليون لاجئ، ويحرم هؤلاء واللاجئون في سوريا والأردن وغيرها من حق العودة الذي أكده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

ويعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان من كونهم مواطنين عديمي الجنسية ولا يتمتعون بمثل حقوق الأجانب الآخرين المقيمين في البلاد ويحظر عليهم العمل في عشرات المهن ولا يحصلون على فرص تعليم ورعاية صحية وسكن وحرية تنقل متساوية، ويعانون كذلك من الصراعات السياسية المحلية.

ويسترشد الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني بالوسائل "القاعدية النوعية" لإعطاء منبر للفئات الضعيفة والمهمشة، ويقول إنه قادر على الوصول للمجتمعات المهمشة بما فيها غير المتعلمين أو الذين يعيشون في ظروف اجتماعية صعبة، ويجري المقابلات أعضاء المجتمعات بأنفسهم لأنهم الجديرون بقيادة البحث نظرا لتجاربهم الشخصية ومعرفتهم بالنكبة والاغتراب، بحسب المشروع.

المصدر : الجزيرة