في السودان الكبير ومالي وشنقيط.. قصة الممالك الغنية المفقودة في أفريقيا

في السودان الكبير ومالي وشنقيط.. قصة الممالك الغنية المفقودة في أفريقيا

مانسا موسى أو الملك الذهبي (مواقع التواصل)
مانسا موسى أو الملك الذهبي (مواقع التواصل)

عمران عبد الله

تمتلك أفريقيا حظوظا كبيرة من النظرة الدونية؛ باعتبارها خارج التاريخ ومسيرة الإنسانية، ولا يختلف الأمر كثيرا إذا كنا نشاهد أفلام الكارتون التي تصور الأفارقة باعتبارهم متخلفين وبدائيين، أو كنا نقرأ لفلاسفة غربيين مثل فولتير وهيغل الذين طالما وصموا القارة السمراء بعدم التحضر.

لكن أفريقيا تتمتع بالفعل بتاريخ طويل من الحضارات القديمة؛ مثل الفراعنة وأكسيوم وغانا وكوش وبلاد بونت وقرطاج وغيرها، وحتى في الأزمنة الوسطى والحديثة بدأ الكتاب والمؤرخون دراسة نماذج مثيرة قد تغير تصوراتنا عن أفريقيا تماما.

وحيد القرن الذهبي
في كتابه "وحيد القرن الذهبي.. تاريخ العصور الوسطى الأفريقية" يكشف المؤرخ الفرنسي فرانسوا كزافييه فوفيل عن التاريخ المفقود لأفريقيا منذ مولد الإسلام في القرن السابع إلى رحلات الاستكشاف الأوروبي في القرن 15، وفي هذه الأزمنة كانت أفريقيا في مركز التبادل النشط للسلع والأفكار.

ويعتبر فوفيل أن تاريخ أفريقيا قبل الاستعمار مفقود، ويعزى ذلك إلى أنه لا توجد تقريبًا أي روايات باقية كتبها الأفارقة لرفض الأوروبيين الاعتقاد بوجود إمبراطوريات متطورة في القارة قبل وصولهم.

ويحاول الكتاب إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، مع وصف حي للممالك القوية في الأراضي التي نعرفها الآن باسم موريتانيا وإثيوبيا والسنغال وزيمبابوي وتنزانيا ومالي.

ولكن نظرا لوجود عدد قليل من المجتمعات التي لديها لغة مكتوبة تحفظ وتسجل الأحداث، فإن معظم المصادر المتوفرة تأتي من "المبشرين" والمسؤولين والتجار العرب.

يقول فوفيل إنه جرى تداول الذهب والعبيد شمالا وذهب الملح جنوبا، ووصف العرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بأنها "السودان" أو أرض السود، وفي كل فصول الكتاب تقريبا هناك إشارة إلى التجار العرب ورحلاتهم في "السودان".

"وحيد القرن الذهبي.. تاريخ العصور الوسطى الأفريقية" للمؤرخ الفرنسي فرانسوا كزافييه فوفيل (مواقع التواصل)

ورغم أن مؤلف الكتاب بدا متحاملا على العرب الذين اعتبرهم مستعمري القارة السمراء قبل الأوروبيين، فقد أشاد باللغة العربية التي جلبوها لأفريقيا باعتبارها لغة عالمية فتحت فرصًا تجارية وثقافية واسعة.

كما أشاد بالدبلوماسية التي وصفها بالمتطورة في القرن السابع بين مصر المسلمة حديثا وبلاد النوبة المسيحية.

ويشير المؤلف إلى أن هناك أدلة على أن السلع الصينية والأفغانية والهندية جرى تداولها في أفريقيا منذ القرن السادس وما بعده، معتبرا أن العصور الوسطى الأوروبية كانت زمنا ذهبيا لأفريقيا، حيث أصبحت مناطق مثل غانا والنوبة وزيمبابوي ملتقى للحضارات.

ولعبت العائلات المالكة الأفريقية والمفكرون والفنانون أدوارًا كبيرة جرى حرمانها من مكانها المستحق في التاريخ، قبل أن تتسبب تجارة الرقيق والإمبريالية الغربية في ضياع تراث ثقافي أفريقي مهم.

أحلام استكشافية
وكانت مملكة مالي في أوائل القرن 14 غنية للغاية، وتسجل الروايات التاريخية قصة حاكمها أبو بكر الثاني، الذي قام بتجهيز رحلة استكشافية تضم مئتي سفينة حاولت اكتشاف "أقصى حدود المحيط الأطلسي" قبل نحو قرن ونصف القرن من رحلة كولومبوس.

ورغم فشل البعثة في العودة باستثناء سفينة واحدة، ادّعى الناجي أنه "ظهر في البحر المفتوح نهر به تيار قوي، وواصلت السفن الأخرى المضي قدما، لكن عندما وصلت إلى هذا المكان، لم تعد تظهر".

وفسر بعض المؤرخين المعاصرين، ومنهم مايكل غوميز وتوبي جرين وجون ثورنتون، هذه الرواية بأن السفن المالية علقت في تيار جزر الكناري في المحيط الأطلسي، الذي يجتاح كل شيء في طريقه ويقع في خط العرض نفسه بالنسبة لمملكة مالي، بحسب نيويورك ريفيو التي قدمت عرضا للكتاب التاريخي.

"تاريخ جديد للإمبراطورية بغرب أفريقيا في العصور الوسطى" للمؤرخ والأكاديمي مايكل غوميز (مواقع التواصل)

ومع ذلك، لم يتخل أبو بكر الثاني عن أحلامه الاستكشافية، وقام بتجهيز رحلة جديدة أكبر بكثير، وقام بنفسه بقيادة نحو ألفي سفينة ولم يعد بعدها أو يعرف مكانه.

ورويت القصة عبر خليفة أبو بكر وأخوه "مانسا موسى"، الذي أقام في القاهرة في الفترة بين 1324 و1325م، أثناء طريقه للحج إلى مكة، وسأله المماليك عن كيفية وصوله إلى السلطة وجرى تسجيل جوابه، لكن لا توجد آثار أخرى عن محاولة أبو بكر.

ووسع موسى إمبراطوريته لتضم بلدان غرب أفريقيا، ومنها السنغال وموريتانيا والنيجر وغينيا وغيرها، ووضع يده على كميات هائلة من الذهب والملح جعلته أغنى رجل على وجه الأرض.

وتستند التكهنات حول حجم ثروته على إقامته التي تمتد من ثلاثة إلى 12 شهرا في القاهرة في طريقه إلى مكة، وكتب بدر الدين الحلبي أن موسى "ظهر في القاهرة على ظهور الخيل يرتدي ملابس رائعة وسط جنوده، مع عشرات الآلاف من حاشيته، بينهم آلاف الجواري والعبيد والجنود وكميات هائلة من الذهب.

ويقدر ما قطعه الإمبراطور المالي برحلة طولها 2700 ميل إلى القاهرة، مع ما بين 13 و18 طناً من الذهب الخالص، تم توزيعها في المساجد وعلى المسؤولين من جميع الرتب وصدقات للفقراء.

ومنح موسى شخصيا ما يقدر بأربعمئة جنيه من الذهب لحاكم المماليك في القاهرة، وإثر ذلك انخفضت قيمة الذهب في المنطقة بشكل حاد.

الاستعمار والعبيد
وفي كتابه "تاريخ جديد للإمبراطورية بغرب أفريقيا في العصور الوسطى"، يشير المؤرخ والأكاديمي مايكل غوميز إلى أن اصطحاب موسى معه كميات هائلة من الذهب وأعداد كبيرة من العبيد ربما قد يكون لفت النظر لأفريقيا كمصدر لا ينضب من العمال السود العبيد والذهب والثروات؛ فبعد قرن ونيف من زيارة موسى للحج بدأ شحن العبيد من أفريقيا السمراء بواسطة البرتغاليين وغيرهم من الأوروبيين.

"الملوك الأفارقة والعبيد السود.. السيادة ونزع الملكية في المحيط الأطلسي الحديث" للمؤرخ هريمان بينيت (مواقع التواصل)

وخلال عقد من حج موسى، بدأت مالي ومملكتها في الظهور على الخرائط الأوروبية وأشهرها الأطلس الكتالوني 1375م، مما ساعد على جذب الباحثين عن الثروة إلى ساحل أفريقيا بحثًا عن مصادر ذهب موسى.

وتداعت إمبراطورية مالي الذهبية بعد موسى، وسرعان ما انقسمت وضعفت، وكان وصول الاستعمار الأوروبي لاحقا هو المسمار الأخير في نعشها، وهو ما حدث أيضًا لسونجهاي، الإمبراطورية التي خلفت مالي التي ضعفت وانقسمت كذلك.

مقاومة
كان الاهتمام الأوروبي بأفريقيا مدفوعًا إلى حد كبير بالذهب، ولكن مع تطور الزراعة في العالم الجديد في أواخر القرن 16، ارتفع الطلب على العبيد الأفارقة بشكل كبير، وكانت هذه الممالك الصغيرة التي تصارعت باستمرار مع بعضها البعض مصدر العبيد الذين عملوا في الأميركيتين الجديدتين.

ومع ذلك، تسجل المصادر التاريخية نضالها لعزل نفسها عن تجارة الرقيق ومقاومة هيمنة أوروبا المتزايدة، بحسب المؤرخ هريمان بينيت في كتابه "الملوك الأفارقة والعبيد السود.. السيادة ونزع الملكية في المحيط الأطلسي الحديث".

وبذلت ممالك أفريقية مثل غانا وبنين والكونغو الحالية جهودا لمقاومة بيع العبيد للأوروبيين، واعتبرت الكونغو في ذلك الحين دولة متقدمة يحكمها ملوك منتخبون وقت وصول البرتغاليين في ثمانينيات القرن 19، وقاوموا البرتغاليين بتصميم وعناد، وتلقوا الدعم من هولندا خلال حرب الثلاثين عاما الأوروبية، ونجحوا بالفعل في طرد البرتغاليين، ليصبح التاريخ الأفريقي مرة أخرى تاريخا عالميا.

المصدر : الجزيرة