إيغيدار.. مخازن جماعية لحفظ ذاكرة الأمازيغ وثرواتهم

مجسّم لمخزن جماعي توضع فيه موروثات وثقافات الأمازيغ (الجزيرة)
مجسّم لمخزن جماعي توضع فيه موروثات وثقافات الأمازيغ (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط

بعد نصف قرن من الإهمال، تعيد وزارة الثقافة بالمغرب الاعتبار لموروث إيغيدار الأمازيغي أو المخازن الجماعية من خلال معرض تراثي بقصبة الوداية التاريخية بالعاصمة، وتعمل من جانب آخر على إعداد ملف لتسجيله على لائحة التراث الوطني والتراث الإنساني العالمي، نظرا لعراقته وخصائصه الفريدة.

ويتضمن المعرض -وعنوانه "مخازن الذاكرة"- مجسمات طينية لهذه المعالم التراثية، ومجموعة من الصور والوثائق التاريخية المتعلقة بتدبيرها وتسيير شؤونها.

ويختزل إيغيدار -أو إيغودار- دلالات ثقافية مادية وغير مادية، ويعكس التلاحم والوعي بوحدة المصير لدى القبائل الأمازيغية. وكانت قبائل الأطلس وأودية ما قبل الصحراء في جنوب المغرب تنشئ إيغيدار -أي مخازن جماعية- وفق تصميم معماري خاص، تحفظ فيها ثرواتها وذاكرتها وأعرافها في شكل من أشكال العيش المشترك.

وثيقة عدلية مكتوبة على ورق مؤرخة بعام 1898 (الجزيرة)

مخزن للحبوب والنفائس
في مكان محصن فوق تلة أو جبل أو ربوة، يبني أفراد القبيلة أغادير (مفرد إيغيدار)، وهو عبارة عن بناية من أربعة أو ثلاثة طوابق، يقسم كل طابق إلى عدة غرف، يخزن فيها سكان القبلية محاصيلهم من الحبوب (الشعير) وكل ما غلت قيمته من حلي ووثائق، لحمايتها من النهب.

وتضم بعض المخازن ستين غرفة، وقد يصل العدد في أخرى إلى ستمئة، بحسب عدد الأسر في القبيلة.

ويقول الباحث المتخصص في تاريخ إيغيدار خالد العيوض -للجزيرة نت- إن سكان المناطق الأمازيغية اهتدوا إلى تلك الطريقة منذ قرون، لتخزين المحصول الفائض في سنوات الرخاء من أجل اللجوء إليه في سنوات الجفاف، وأيضا لتخزين أشيائهم النفيسة من حلي فضية وعقود زواج وملكية وبعض المواد الغذائية مثل زيت الزيتون والسمن.

وخلص الباحث بعد دراسات وأبحاث إلى أن أغادير هو أقدم نظام بنكي عرفته البشرية قبل ظهوره في أوروبا.

ويحرص رجال القبيلة على بناء أغادير في موقع منيع يسهل الدفاع عنه، يحاط بسور خارجي من شجر الصبار والأشواك ثم سور طيني بارتفاع ثلاثة أمتار، فسور ثالث قبل الوصول إلى أماكن الغرف؛ كما يشترط أن يكون الموقع تصله أشعة الشمس طوال اليوم لحفظ المخزون وخاصة الشعير من التعفن.

وتشرح المعلومات التوثيقية لوزارة الثقافة هندسة أغادير، إذ يتم الدخول إليه عبر بابين، باب خارجي وآخر داخلي. وتؤدي البوابة الكبيرة إلى بهو يستعمل كمكان للراحة والانتظار، وهو ممر تمتد على جانبيه مقاعد حجرية، وعلى مقربة من البهو توجد حفرة عميقة مستديرة الشكل تستعمل لدق وحفظ البارود الذي يستخدم ذخيرة للأسلحة.

ويوصل الباب الداخلي إلى ساحة مفتوحة على السماء تحيط بها حجرات تتوزع على عدة مستويات، حيث يكون لكل عائلة غرفة أو أكثر، تتوزع حسب مرتبتها الاجتماعية وأهميتها داخل القبيلة. ومن أجل الوصول إلى الغرف العلوية، يتسلق ملاكها أحجارا مغروسة بالجدران أو سلالم مصنوعة من جذوع الأشجار.

يضع الأمازيغ وثائقهم المهمة داخل القصب ويحتفظون بها في غرف التخزين (الجزيرة)
نظام عرفي دقيق
وتطورت إيغيدار على مراحل، فالمخازن الأولى كانت عبارة عن مغارات منحوتة داخل الجبال، وبعدها ظهرت مخازن مبنية بالحجارة في الأطلس الصغير الغربي وجزء من الأطلس الكبير، ثم مخازن مبنية بالطين في منطقة الواحات، ويقدر العيوض عددها بحوالي خمسمئة مخزن جماعي.

ويسير هذه المنشآت برلمان صغير أو مجلس إدارة يسمى "إنفلاس"، أعضاؤه من أبناء القبيلة المعروفين بالخبرة والتجربة، يسهرون على تطبيق الأعراف المحلية، ويرجع إليهم لفض النزاعات.

وتحتكم القبيلة إلى نظام يطلق عليه اسم "أزروف" أو اللوح، وهو قانون عرفي يكتب باللغة العربية على الورق أو الخشب، ويعود تاريخ أقدم لوح عثر عليه إلى عام 1494 ميلادية، وهو لوح "أغادير أوجاريف" الذي يوصف باللوح الأم.

وتضم  بعض الألواح  حوالي مئتي بند تتناول كل التفاصيل الدقيقة والغريبة المتعلقة بتنظيم إيغودار، وتقنية التخزين والعقوبات المترتبة في حق المخالفين للأعراف.

ويلفت خالد العيوض إلى أن العقوبات تكون في الغالب عبارة عن غرامات، وقال للجزيرة نت "لم أعثر في الوثائق المتعلقة بإيغيدار على أي إشارة لعقوبات بدنية أو السجن"، غير أنه في حال تمادي الشخص في مخالفة نظام القبيلة وأعرافها، فإن أقصى عقوبة تطاله تكون النفي أو ما يسمى "أزواغ"، إذ يطرد المخالف من القبيلة ويستتبع ذلك حرمانه من اسمه الأصلي، فيطلق عليه "أمزواغ" بمعنى الطريد أو الصعلوك.

ويعين "أنفلاس" -أي البرلمان- مشرفا على أغادير يسمى "لامين" أي الأمين، وتناط به مهمة تنظيم الدخول إلى المخزن والخروج منه والاعتناء به وتنظيفه، مقابل أربعة صوع من الشعير لكل أسرة، بينما يسهر على الحراسة بالتناوب أفراد من القبيلة.

مجسم لمخزن جماعي "أغادير نوكدال" بإقليم ورزازات في الجنوب الشرقي (الجزيرة)

مكان مقدس
إيغيدار ليست منشآت لحفظ محاصيل القبيلة وثروات سكانها ووثائقهم، بل هي منشآت ذات مكانة روحانية، وتكتسب هذه المكانة من وجود المسجد داخلها، إذ يضفي عليها هالة من القدسية ويجعلها أماكن ذات حرمة، من دخلها فهو آمن ولا يصله أذى.

لذلك كانت القوافل تختار مكانا في محيط أغادير للمبيت والاستراحة قبل شد الرحال، وكان الحرفيون -وأغلبهم من اليهود- عند نزولهم في أي قبيلة يستقرون في مدخل أغادير، يعرضون خدماتهم ويقضون حاجات الناس قبل أن يغادروا نحو قبيلة أخرى.

ولأن الفضاء مقدس ولا ينبغي تدنيسه، يمنع الدخول إليه بالأسلحة، لذلك يتم تثبيت قطع خشبية على جدران الممر المحاذي للمدخل تعلق فيه الأسلحة قبل دخول المخزن.

ويمنع دخول الكلاب إلى المخزن لأنها نجسة بحسب معتقدات الأهالي، ويتم الاستعانة بالقطط لحماية غرف إيغيدار من الجرذان والفئران حتى لا تعيث فسادا بمقدرات الناس ومخزونهم.

ومن الأعراف التي سجلتها ألواح الأمازيغ تخصيص أجرة لتلك القطط تسمى بالأمازيغية "أغنجة أوموش" أي حق القط و حصته، وتكون عبارة عن مغرفة خشبية من الشعير تسلم للأمين ويتكفل بإطعامها ورعايتها.

يقول العيوض إن المخازن الجماعية استمرت لقرون في أداء أدوارها، وكانت موضوع دراسات عدد من الباحثين السوسيولوجيين خلال فترة الحماية الفرنسية للمغرب، غير أن تلك الأدوار تراجعت في الستينيات والسبعينيات بعد تغير نمط العيش، مما أدى إلى تدهورها وضياعها.

ومع بداية الألفية، تشكل وعي مدني بقيمة هذا التراث الأمازيغي، ونظمت ملتقيات وفعاليات للفت الانتباه لهذا الكنز التاريخي، وأخيرا انتبهت الجهات المسؤولة لقيمتها التراثية وأطلقت برامج لترميمها وإعادة الاعتبار لها وللأدوار التي اضطلعت بها.

المصدر : الجزيرة