الاستشراق سينمائيا.. الغريب بدل الإرهابي في "علاء الدين"

ملصق النسخة الجديدة من فيلم "علاء الدين" (مواقع التواصل)
ملصق النسخة الجديدة من فيلم "علاء الدين" (مواقع التواصل)

عمران عبد الله

في زمن دونالد ترامب وصعود الأحزاب اليمينية في الغرب جاء فيلم "علاء الدين" بنسخته الجديدة لعام 2019 حاملا معه ألوانا مبهرة وقيما متنوعة، إضافة إلى المزيد من الصور النمطية والاستشراقية التي اعتادت هوليود على تقديمها.

وكان فيلم الرسوم المتحركة "علاء الدين" بنسخته الأولى لعام 1992 قد تعرض لانتقادات بسبب الصور النمطية والاستشراقية التي حملها، وأظهر استطلاع للرأي أجري عام 2015 أن نسبة تقترب من ثلث مؤيدي الحزب الجمهوري الأميركي يعتبرون مدينة أغرابة الخيالية مسقط رأس علاء الدين تهديدا لأميركا ويودون قصفها.

أرادت ديزني أن تتجنب تكرار هذه المشكلات نفسها في النسخة الحية من "علاء الدين" والتي صدرت في 24 مايو/أيار 2019، لذا طلبت المشورة من مجلس استشاري مؤلف من باحثين مختصين بالشرق الأوسط وجنوب آسيا وناشطين ومبدعين مسلمين.

وقالت أستاذة الدراسات الأميركية والعرق في جامعة جنوب كاليفورنيا إيلفلين السلطاني إنه طلب منها أن تكون في المجلس بسبب خبرتها في تمثيل العرب والمسلمين في وسائل الإعلام الأميركية، بحسب تعبيرها.

وأشادت السلطاني باهتمام ديزني وهوليود المتزايد بالتنوع، وهو ما انعكس على رغبتهم بالسماع من المختصين بالشرق الأوسط، وأضافت أن الفيلم الجديد نجح في تصحيح بعض جوانب تاريخ هوليود الطويل مع التنميط و"تبييض الشرق الأوسط"، لكن هناك جوانب أخرى لم تجرِ مراعاتها.

وتقول السلطاني إن أفلام هوليود المبكرة مثل "الشيخ"، و"الليالي العربية" لها تاريخ طويل من النظرة الاستشراقية للشرق الأوسط، إذ تصوره على أنه أرض خيالية وصحراء سحرية مليئة بالجن والسجاد الطائر والرجال الأثرياء الذين يعيشون في قصور فاخرة مع "الحريم"، وجرى تصوير المنطقة على أنها متخلفة وتحتاج لمهمة "تحضيرية" من قبل "الغرب المستنير".

ومع ذلك، لم تكن هذه الصورة مسيئة كثيرا بالنسبة لسكان الشرق الأوسط مقارنة بما جرى في وقت لاحق من ربط الإسلام بالإرهاب، إذ صورت مئات الأفلام الهوليودية المسلمين باعتبارهم "دخلاء وأجانب معادين" وشيوخا زنجيين فاسدين يعتزمون استخدام الأسلحة النووية، بحسب الكاتب والباحث المختص في الصور النمطية العرقية جاك شاهين.

وفي ظل هذه الخلفية لم يكن "استشراق ديزني" لعام 1992 مفاجئا، إذ وصفت كلمات الأغنية الافتتاحية لعلاء الدين أرضا "حيث قطعوا أذنك إذا لم يعجبهم وجهك"، وأضافت "إنها همجية، ولكن مهلا، إنه الوطن!" في إشارة إلى شرق أوسط أسطوري وسحري.

وعندما احتجت لجنة مناهضة التمييز الأميركية العربية على كلمات الأغنية أزالت ديزني الإشارة إلى قطع الآذان في نسخة الفيديو المنزلية ولكن تركت الوصف "الهمجي".

وكتب جاك شاهين في عام 1992 عندما كان أستاذ الاتصالات الجماهيرية بجامعة إلينوي الجنوبية "إن علاء الدين ليس خيالا مسليا من الليالي العربية" ولكنه بمثابة تذكير مؤلم لثلاثة ملايين أميركي من أصول عربية إضافة إلى 300 مليون عربي وغيرهم بأن الصورة النمطية البغيضة عن العرب موجودة في كل مكان مثل مصباح علاء الدين.

وحذر شاهين حينها من أن المشاهد مثل التي تظهر تجارا عرب جشعين وبملامح بشعة ستديم الصور النمطية السلبية والضارة عبر الأجيال.

وهناك أيضا طرق تصوير الشخصيات -وكما لاحظ الكثيرون- فإن الأشرار العرب قبيحون ويتكلمون لهجات أجنبية في الفيلم الهوليودي، في حين أن العرب الطيبين (علاء الدين وياسمين) يمتلكون سمات أوروبية ولهجات أميركية "بيضاء".

تقاليد استشراقية
واستمر الفيلم أيضا في اتباع تقليد المستشرقين المتمثل في الخلط بين العرب والهنود وأهل الشرق الأوسط وأي شخص بني اللون، وعلى سبيل المثال ياسمين التي من المفترض أن تكون من أغرابة (على إثر حرب الخليج عام 1991 اتخذت ديزني قرارا بتغييرها من بغداد للمدينة الأسطورية الخيالية أغرابة) ولديها نمر اسمه الهندي رجا، وأيضا جرى في الفيلم تقديم الشخصيات ذات اللهجات الأميركية باعتبارها "الأشخاص الصالحين"، في حين أن الشخصيات ذات اللهجات غير الأميركية هي في معظمها "سيئة".

وتلاحظ إيلفلين السلطاني أنه بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول ظهرت مجموعة من الأفلام اجترت تصوير خيالات الإرهاب القديمة، ولكن كان من المدهش ظهور بعض الصور الإيجابية للشخصيات الشرق أوسطية والإسلامية.

لكن هذا لم يغير حقيقة أن الشرق أوسطيين والمسلمين تم تصويرهم عموما على أنهم تهديد للغرب، ولا تؤدي إضافة شخصية "جيدة" في الشرق الأوسط -بحسب السلطاني- إلى تغيير كبير في الصور النمطية التي تغذيها قصص الإرهاب وتصويرها في السينما.

ومع ذلك ظهرت إستراتيجية أخرى في هوليود هي العودة لأوساط المستشرقين القديمة في الشرق الأوسط الغريب والرومانسي، وربما افترض كتاب السيناريو والمنتجون أن تصوير الشرق الأوسط على أنه غريب سيكون بمثابة تطور أو تحسين للصورة التي تقوم بربطه بالإرهاب، وهذه هي مشكلة "علاء الدين 2019" الأكبر، بحسب السلطاني.

ورغم أن فيلم علاء الدين هو مزيج درامي خيالي لكننا نعيش الآن في زمن أصبح فيه من الممكن بناء عوالم خيالية يمكن تصديقها ويسكنها أشخاص ملونون مثل واكاندا في النمر الأسود وموانا من موتونوي.

وجرى بناء العالمين السينمائيين بتوجيه من باحثين ومستشارين ثقافيين، وعينت ديزني فريقا من المستشارين الثقافيين الصينيين لتقديم المشورة لفريق فيلم النسخة الجديدة من مولان، وهذه الأمثلة تطرح تساؤلا مهما هو: لماذا لا تستطيع ديزني معاملة الشرق الأوسط بطريقة مماثلة؟

ورغم أن هوليود شهدت خطوات حقيقية نحو مزيد من التنوع على الشاشة وأصبح هناك أشخاص يشبهون مجتمعاتهم الأصلية على الشاشة لكن الشرق الأوسط يبدو وكأنه لا يزال استثناء هوليوديا، وكان مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية قد أصدر بيانا صحفيا يطلب فيه الاعتراف بأن "أسطورة علاء الدين كما ظهرت في الفيلم تفاقم العنصرية والاستشراق وكراهية الإسلام"، وطالب المجلس بمعالجة الصور النمطية العرقية والدينية التي يكرسها فيلم ديزني الجديد.

وتتطلب العروض المتنوعة التي تقول هوليود إنها تسعى لتقديمها مغادرة الصور النمطية وتوسيع أنواع القصص التي يتم سردها، وسيكون على هوليود أن تبحث عن مصادر ومستشارين من غير كتابات المستشرقين القديمة أو خبراء مكافحة الإرهاب الجدد.

المصدر : الجزيرة