أدب الطبخ.. ماذا كتب العرب عن حكايات الطعام؟

الدولمة.. أكلة توحد أذواق العراقيين وتعد امتدادا لتراث الطبخ العريق في بلاد الرافدين (الجزيرة)
الدولمة.. أكلة توحد أذواق العراقيين وتعد امتدادا لتراث الطبخ العريق في بلاد الرافدين (الجزيرة)

عمران عبد الله

هل تتوقع ذكر "القطائف" وأكلات سورية وعراقية تعرفها في مخطوط قديم من العصر العباسي؟

إنه ليس مجرد دليل قديم يقدم وصفات الطعام، بل كتاب أدبي "لذيذ" ومزخرف بالألوان والرسومات المدهشة التي تثير الشغف بفنون هذا العصر العربي، بقدر ما تحرك غريزة الطعام؛ إذ ألف محمد بن حسن البغدادي (ت 1239م) "كتاب الطبيخ"، شارحاً فنون الطعام العباسية وأنواعها بلغة شعرية متضمناً الحوامض و"السواذج" و"القلايا" و"النواشف" و"الهرائس" و"التنوريات" و"المطجنات" و"البوارد"، وكذلك السمبوسك والمخللات والحوليات وغيرها، وينتمي ما هو مطبوخ إلى الثقافة، في حين ينتمي كل ما هو نيء إلى الطبيعة.

ويشيع القول إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطبخ، واشتهرت في عصور الحضارة العربية كتب الطبيخ وراجت، وبخلاف كتاب البغدادي اشتهر "كتاب الطبيخ" لابن سيار الوراق وابن ماسويه وإبراهيم بن المهدي، الذي كتبه شعراً، وابن داية، وابن مندويه، والحارث بن بسخنر وغيرهم، إضافة إلى كتاب الأشربة لمسكويه الفيلسوف الذي كتب أيضاً كتاباً في الطبيخ، و"أطعمة المرضى" للرازي.

وأسهم وصول المماليك للحكم في مصر والشام في ازدهار الكتابة الأدبية حول الطبخ، فقد كان الجنود يستمتعون بالطبخ وتقديم الطعام ويهتمون بقدور الطبخ ويحملونها معهم ويدافعون عنها حتى في أوقات الحرب.

واستمرت العناية بالطبخ داخل التقاليد المملوكية ومن بعدها العثمانية حتى حقبة الاستعمار الأوروبي الذي جلب معه طباخيه، إذ تراجع "أدب الطبخ" الذي شكل سمة من سمات الثقافة العربية لقرون.

وصف جهاز التقطير وصورته (الصحافة البريطانية)
طبخات قديمة في بغداد والقاهرة
أنتجت ثقافات قديمة عديدة كتب الطبخ، ولكن المخطوطات العربية الغنية التي نجت في العصور الوسطى لا مثيل لها؛ وخلال تلك الحقبة لا توجد ثقافات غربية وشرقية معاصرة أنتجت كل هذا القدر من كتب الطبخ مثل العرب، بحسب الباحثة العراقية المختصة في كتب الطبخ نوال نصر الله.

وترى نصر الله أن صعود نخبة مزدهرة من الطباخين والذواقة الذين انغمسوا في الأطعمة الفاخرة وأنشطة الطهي، وفي القراءة والكتابة عن الطعام بالنثر والشعر؛ جعل كتب الطبخ مطلوبة بشدة في ذلك الوقت، وهو اتجاه زاد من ازدهار أعمال صناعة الورق والقرطاسية في بغداد في القرن التاسع، بحسب دراستها المنشورة بمعهد الدراسات الشرقية الأميركي.

ومن بين الكتابات الكثيرة التي انتشرت في هذا العصر نجت عشرة كتب فقط من ويلات الزمن، وتنحدر من بغداد وحلب ودمشق والقاهرة والغرب والأندلس، وتتراوح بين المجلدات الكاملة في الطبخ والكتيبات الصغيرة ذات الصفحات المحدودة، وتعطي لمحة عن ثقافة الطعام الثرية في بلدان لا تزال كثير منها تحافظ على تقاليد طبخ قديمة وراسخة.

وجرى تصنيف أول كتاب معنون بـ"كتاب الطبخ"، على يد ابن سيار الوراق في النصف الثاني من القرن العاشر في بغداد العباسية، وكان عنوانه الكامل "كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب"، واعتبر أقدم كتاب طبخ جاء إلينا من العصور الوسطى، ويتميز بسعة وصفاته وشموليته واختياراته في الطهي التي جاءت في الغالب بتكليف من أحد الرعاة الأغنياء (يحتمل أن يكون سيف الدولة الحمداني)، وكان يهدف إلى وصف الأطباق والأطعمة التي يتناولها الخلفاء والأمراء و كبار الشخصيات.

وجرى تصميمه ليشبه كتب الطبخ الموضوعة على الطاولة في زمننا الحالي؛ حيث خدمت القصائد الشعرية الرائعة والحكايات المسلية المخلوطة بالوصفات نفس الغرض من كتب الطعام المتداولة اليوم، وشمل العديد من الموضوعات المتعلقة بالطعام، منها الفوائد الصحية لأطباق الطعام، وآثارها الصحية على الجسم أو القلب أو المزاج.

وفي أبواب كتاب الورّاق فصول عما يوافق الشباب والشيوخ من ألوان الطبخ، والألبان والأجبان، والحبوب والخبز من الحنطة والرز، وما يوافق المعدة العليلة من الأطعمة المأكولة، والشوي في التنور وشوي اللحم في القدور، وتدبير الماء المشروب بالثلج وغيرها.

وحقق مخطوطة ابن السيار المستشرق الفنلندي كاي أورنبري، وزميله اللبناني سحبان مروة عام 1987 من مخطوطة بجامعة هلسنكي، واحتوت المخطوطة الكاملة على أكثر من ستمئة وصفة طعام جرى تقسيمها من قبل المؤلف لأكثر من 130 فصلا، وشملت الحلوى وأطعمة المرضى أو المسيحيين الصائمين، ووصفات لتنظيف الأيدي وآداب المائدة والمنادمة وأنشطة ما بعد الطعام وأشعار الأكل، إضافة إلى أدوات المطبخ المناسبة لكل طعام، ونصائح للتخلص من روائح الطعام بعد الطهي، وتنظيف الأيدي والأسنان والفم.

قصب السكر أحد المحاصيل التي أتت إلى مصر بعد انتشار الإسلام (مواقع إلكترونية)

كتب الطبخ العربية
ولم يكن كتاب الورّاق فريداً من نوعه، فقد استند إلى العديد من المؤلفات التي سبقته، ومنها أشعار إبراهيم بن المهدي في الطبخ، وكتابي ابن ماسوية وابن دهقانة وغيرهم، ويذكر الورّاق في كتابه 15 نوعاً مختلفاً من الخبز، مفصلاً في طريقة عمل كل منها، ويذكر طعاماً يشبه المنسف الأردني، وحلوى تشبه الكعك العراقي "كليجة"، ووصفات للحم المشوي تشبه السائدة حالياً.

ولم يغفل الورّاق "الطعام النباتي" إذ شرح أطباقاً نباتية سماها "مزورات" وضم كتابه كذلك العديد من الحلويات مثل "القطايف" المعروفة باسمها حتى الآن والمكسرات المملحة، والزبيب، ومشروبات النبيذ والمهضمات.

وضم الكتاب العديد من النصائح للتغذية الصحية منه تناول الفاكهة قبل الطعام وليس بعده، وعدم الإطالة في النوم بعده، واشتمل كذلك على أمثال ونوادر وقصص وحكايات عن ليالي الخلفاء والأمراء التي كانت عامرة بالأطعمة الفاخرة ذات الرائحة الذكية.

ومثل كتاب الوراق اشتهر أيضاً مجلد "كنز الفوائد في تنويع الموائد" في مصر المملوكية، ورغم أن مؤلفه مجهول فإنه يعد كتاب الطبخ الوحيد الناجي من مصر، وآخر مجلد طهي رئيسي من المنطقة العربية الإسلامية بأسرها من القرن 14.

وحققت نوال نصر الله العديد من وصفات الكتاب، ومنها مخلل الشمر واللفت والزيتون والليمون والسوبيا والفولية باللحم، والعديد من الأكلات المصرية الشائعة حتى الآن، مثل الملوخية والباميا والكشك والسمبوسك والعجة والسمك البوري والقلقاس والتقليّة وغيرها.

وبخلاف وصفات الأطعمة اشتمل الكتاب على أطعمة مملوكية اشتهرت في القاهرة، ومنها الحامض والحلو والمقلي والمشوي والأسماك والمشروبات والمهضمات، وكذلك وصفات للتطيب والصابون والبخور وتدل الأسماء المتداولة في الكتاب على أصول المؤلف المجهول ولهجته المصرية.

واحتوى فصل الحلويات لمؤلف المخطوط على 81 وصفة تشكل دليلًا على وفرة السكر في الأسواق المصرية وتكلفته المعقولة في الوقت الذي كان فيه السكر في أوروبا لا يزال سلعة نادرة تستخدم بكميات صغيرة في علاجات طبية.

وفي الكتاب وصفات لمستحضرات غسل اليدين بالإضافة إلى الزيوت العطرية والبخور وطرق ومواد تنظيف أماكن الطعام من روائح الطعام العالقة، ويشتمل كذلك على وصف أكثر من ثلاثين نوعا من الماء المقطر، الذي يستخدم كعطور وعلاجات، ويمكن تحضيرها في المطابخ المنزلية.

ويعد المخطوطان مؤشرين على ثقافة الطعام الثرية في حواضر العرب الكبرى، مثل بغداد ودمشق وصنعاء والقاهرة، وهي الثقافة الثرية والمتنوعة التي لا تزال تؤثر على مطابخ العالم الحديث.

المصدر : الجزيرة