شاهد.. الأبوذية شعر شعبي يؤرخ عادات العراقيين

علاء كولي-ذي قار

يعد شعر الأبوذية المنتشر في جنوب العراق واحدا من أهم ألوان الشعر الشعبي، ويحظى بشعبية واسعة في هذه المناطق، حيث يتداول الناس أبياتا من هذا اللون في المناسبات وحياتهم اليومية، بسبب تأثيرها على المتلقي.

وتقام مهرجانات شعرية خاصة بالأبوذية من حين لآخر، وعرف عن الكثير من الشعراء منذ أزمان مختلفة كتابتهم هذا الشعر بشكل واسع، وسجلت الثقافة الشفاهية الكثير من الأشعار في هذا المجال.

وتتكون الأبوذية من أربعة أشطر، تنتهي الثلاثة الأولى منها بجناس متشابه في اللفظ ومختلف في المعنى، والبيت الرابع يسمى القفل، وينتهي عادة بالياء، بحسب الشاعر حسين صالح.

ويضيف صالح للجزيرة نت أن الأبوذية من بحر الوافر (أحد بحور الشعر العربي المعروفة)، ويكون بتفعيلة "مفاعلتن مفاعلتن فعولن"، مشيرا إلى أنه لم يتم تحديد ولادة حقيقية لشعر الأبوذية بشكل دقيق، لكن المصادر الشفاهية تذكر أنه ظهر بعد شعر "العتابة"، وهو شعر نبطي بأربعة عقود.

وللأبوذية -كما يقول صالح- عدة أنواع، لكن السائد منها هو الذي اعتاد الناس على سماعه، والمؤلف من أربعة أشطر والمعتمد على نفسه بالفكرة، أي غير مُوَلّد من الشعر الفصيح.

الغناء الريفي
ويؤكد الشاعر حسين صالح أن شعر الأبوذية استطاع أن يؤرخ لنا أغلب أطوار الغناء الريفي الذي برع فيه مطربون كبار مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن، لأنها تعتمد بشكل أساسي عليه، وله الفضل الكبير في معرفة تلك الأطوار على مر الأزمان التي ظهرت بها.

ويعتبر الشعراء الأبوذية فناً قائما بحد ذاته، وهو يختزل فكرة كبيرة، لأنه يعادل بيتين من الشعر العربي بتركيبته، أي صدر وعجز وصدر وعجز، بحسب ما يذكره الشاعر حسين صالح.

ويفسر كثير من العارفين بالشعر الشعبي أن شعر الأبوذية من حيث المعنى جاء من الأذية، وهي مفردة شعبية دارجة تعني الشيء المؤلم، وفي الغالب يكون الشعر في نغمة من الحزن والوجع والألم.

ولم يدون تاريخ محدد بشأن ظهور أول بيت لشعر الأبوذية، في جنوب العراق، حيث تذكر المصادر الشفاهية وبعض الباحثين، كما يقول علي أحمد -وهو متذوق للشعر- إن صاحب أول بيت أبوذية هو الشاعر حسين العبادي، وهو البيت المتداول حتى اليوم:

هله يالتمعط بروحي وتلهه       وعگبك بيش تتسله وتلهه

حمه آتونهه بشوگك وتلهه        غضا ونيرانها باتت سريه

وكان الشاعر العبادي يتنقل مع عائلة ناصر باشا السعدون، مؤسس مدينة الناصرية عام 1869، وقيل إنه يمتلك صوتاً يؤدي به أطوارا ريفية، ويعتمد على الأبوذية في أداء هذه الأطوار.

 البدري قال إن شعر الأبوذية يتميز بالتكثيف والإيجاز في الصورة والحكاية (الجزيرة)

أبيات خالدة
تناولت الأبوذية مواضيع عديدة، كان الشعراء يتبادلون بها مساجلات طويلة ومشهورة، وفي الغالب تكون تلك المساجلات بين شعراء مدينة مع مدينة أخرى، وما تكون المواضيع عادة هي العتب والحب والخيانة والصداقة والغدر.

هنالك أبيات خالدة من الأبوذية، سواء كانت لشعراء معاصرين أو شعراء سابقين، ومنها: عبد الواحد الهلالي من الشطرة:

تحن الروح دوم الدوم لحباي   وسوط افراگهم هاكثر لحباي

إذا ما وصلن الرحلين لحباي    زحوف وشوفهم واجب عليه..

والشاعر ريسان النايف من الناصرية:

تباً للدهر خاين وغدار              غزاني وبينه وبيني وغدار

شبچنه والخوي بارح وغدار      لمن شاف الرماح أشرعت بيه

وثمة دلالات كثيرة لظهور الأبوذية بهذا الشكل، كما يقول الشاعر حسن البدري، فهو لم يظهر بالصدفة، فقد انطلق من المناطق الجنوبية التي تعتبر مناطق أهوار، ويعد الجنوب وسكان الأهوار ورثة للحضارة السومرية.

ويتابع البدري أن "الحضارة مدن كبيرة لذلك من طبيعة أهل المدينة أنهم يتصفون بكلامهم بالإيجاز والتكثيف على خلاف سكان البادية الذين يتصف كلامهم بالسرد، لذلك ظهر هذا اللون تماشياً مع طبيعة كلامهم الموجز والمكثف؛ فالأبوذية لون شعري ميزته الأساسية التكثيف والإيجاز في الصورة والحكاية".

الارتباط بالمجتمع
ولشعر الأبوذية وظيفة مهمة سجلتها الأحداث والمواقف، فكما يبث الشكوى والتوجع، فقد عالج الكثير من القضايا، منها إسقاط دين عن كاهل مديون أو حل مشكلة أو قضية اجتماعية كبيرة، بحسب الباحث في الشعر والتراث ماجد السفاح. 

ويقول الأكاديمي والمختص في الأدب واللغة د. يحيى حسن إن الأدب الشعبي بكل أشكاله ومفرداته هو المعين الرئيسي الذي نستقي منه بحكم ارتباطه بالمجتمع وتعبيره عن قيمه وأحداثه وثقافاته في مراحله المختلفة.

والأدب الشعبي -كما يؤكد حسن- للجزيرة نت هو نافذة نطل منها على الشعوب وثقافاتها وتاريخها، نتعرف على خصوصياتها وهوياتها وجوانب الإبداع في منجزاتها الثقافية والحضارية، والأمم إذا قامت فإنها تقوم على أشياء كثيرة أبرزها ثقافاتها الشعبية نظراً لارتباط التعبير الأدبي ببيئته الاجتماعية وقيمها المختلفة.

ويضيف حسن أن الخطاب الشعري الشعبي هو أكثر الأجناس الأدبية التي تأثرت بالواقع الثقافي مستجيباً مع كافة المتغيرات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ورأى أنه إذا كان الشعر الفصيح يعتبر ديوان العرب الذي خلَّد أيامهم وأحداثَهم وقصص فرسانِهم ونقل لنا كل ما يتعلق بحياتهم من شجاعة وكرم وحماية للجار، فإنَّ الشعر الشعبي يُعَد وبقوة ديوانا لا يقل أهمية عن الفصيح بما نقله لنا من حقائق تتعلق بأحوال الناس وأمور حياتهم بكل تفاصيلها في كل مناطق العراق من شماله إلى جنوبه.

ورغم الأصوات العالية التي تنتقد اللهجة العامية، بحسب ما يشير حسن، وتعتبرها انحدارا في اللغة، وتحارب كل ما يكتب أو ينظم بها، فإنَّها فرضت نفسها كواقع معيش -شئنا ذلك أم أبينا- وخلدت نفسها بما كُتب ونُظم فيها من أشعار وأمثال وحكايات خلّدت عادات العراقيين وتقاليدهم وأسلوب حياتهم، وأرَّخَت للكثير من حوادثهم التاريخية وبطولاتهم الوطنية الرائعة.

المصدر : الجزيرة