لياليه عادت بأمان.. كيف احتفل المصريون برمضان عبر التاريخ؟

مقاهي مصر كانت عبر التاريخ عامرة بالمرتادين في المساء (مواقع إلكترونية)
مقاهي مصر كانت عبر التاريخ عامرة بالمرتادين في المساء (مواقع إلكترونية)

محمد شعبان أيوب

اشتُهر عن المصريين تفاعلهم الشديد مع العادات الدينية والاجتماعية عبر تاريخهم، وقد تأثروا كثيرا بالوافد منها، لقد أحبوا الحياة، ورأوا في مباهجها فرصة لا تُعوض للمرح والتمتع، وإذا كان رمضان شهر العبادة والصوم، فهو عند المصريين شهر السرور والفرح، والتأنق في المطعم والاحتفال والعبادة، ولعل هذه الحالة من الوله بالحياة، وتكييف العبادات وجوها مع طابع المصريين المحب للمرح والتفاعل والحركة، مما جعل العلامة ابن خلدون يقول عنهم بعدما عاش بينهم "أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب".

لقد كان استقبال رمضان حدثا استثنائيا عند عموم المصريين منذ القدم، وكثيرا ما حرصت السلطة على تسيير موكب لاستكشاف وتحري الهلال، وكانت القاهرة ترتج لهذا الحدث، حيث يتقدم قاضي القضاة هذا الموكب الحافل بعد أن يُضاء بالشموع والفوانيس الجميلة، ثم يتوجه الجميع إلى جبل المقطم أعلى نقطة بالقاهرة لاستطلاع الهلال، وبعد ثبوت الرؤية يعود الجميع في فرحة كبيرة ليُبشّروا أهالي القاهرة ببدء شهرهم الكريم.
 
ومن حسن حظنا أن الرحالة الأشهر ابن بطوطة نزل مصر بدايات شهر رمضان، في عصر سلطانها الأعظم الناصر محمد بن قلاوون في عشرينيات القرن الثامن الهجري/14 الميلادي، حيث تزامن وجوده في مدينة أبيار بمحافظة المنوفية حينها، ونزل عند قاضيها عز الدين المليجي الشافعي في 29 من شهر شعبان، فوصف لنا استقبال طبقات الناس في الريف لهذا الشهر الفضيل في بيت القاضي وخارجه وفق ترتيب محكم بحسب مكانة كل فرد الاجتماعية، وبعد اكتمال الجمع يشرع الجميع في الخروج لتحري الهلال.

قاض شرعي يستطلع هلال رمضان بالقاهرة قبل أكثر من ثمانين عاما (مواقع إلكترونية)

وفي رمضان عرف المصريون الرزق الوفير، ونشطت حركة الاقتصاد والبيع والشراء، بسبب المكافآت والحوافز المغرية التي كانت تنفقها الدول المتعاقبة على الرعية في موسم الخير هذا، لا سيما في عصر الفاطميين والمماليك الذين اشتُهروا بالأطعمة والحلويات والعادات الغريبة والتي لا تزال حتى يومنا هذا، فقد كانت العادة في هذا الشهر في ظل الفاطميين إنفاق المرتبات الجزيلة على رجال الشرطة والجيش، وكان النداء دائما "من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق الكثير".

واشتُهر عن الخلفاء الفاطميين حرصهم على عمل الموائد الكبرى لأهل الدولة ولعامة أهل القاهرة والفسطاط للإفطار، والتي صارت عادة حتى يومنا هذا تُعرف باسم "موائد الرحمن" وكان الخليفة العزيز بالله المتوفى قبل أكثر من ألف عام هو الذي بدأ بعمل موائد الرحمن لرجال الشرطة، ولمن يحضر لصلاة المغرب بالجامع الأزهر الشريف، كما يذكر العلامة المقريزي في كتابه "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا".

بل كثر إنفاق الخلفاء الفاطميين على الأسمطة "الموائد" التي كانوا يُضيّفون فيها رجال الدولة في شهر رمضان، وكانت هذه المبالغ الكبيرة تُقتطع من أموال "ديوان المجلس" وهو الأعلى فوق الدواوين كلها في ذلك العصر كما يذكر ابن الطُّوير في كلامه عن نُظم الفاطميين ودواوينهم.
 
أما عامة أهل القاهرة، فكما حرصوا على تناول طعام الإفطار في بيوتهم ووسط أسرهم وأقاربهم، فقد حرص الكثيرون منهم أيضًا على تناول طعام الإفطار جماعات في أهم أسواق القاهرة حينذاك، وهو سوق "باب الزهومة"، وهو -كما يذكر مؤرخو تلك الحقبة- من "أجلّ أسواق القاهرة وأفخرها، موصوفا بحُسن المآكل وطيبها".

واهتمت السلطات بسبب كثافة حضور المصريين لتناول أطعمتهم وإفطارهم في شهر رمضان بهذا السوق على مراقبته وتفتيشه باستمرار من خلال "متولي الحسبة بالقاهرة" الذي كان يُعاقب المتهاونين وأصحاب البضائع والأطعمة الفاسدة أشد المعاقبة بالتشهير والحبس وغلق حوانيتهم إن استدعى الأمر.

أجواء رمضان في شارع المعز لدين الله الفاطمي (مواقع التواصل)

ويصف المقريزي في موسوعته "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" الأموال الطائلة التي كانت تُنفق على طعام القصور السلطانية في رمضان، وكميات المواد الغذائية لا سيما السكر المادة الرئيسية لعمل الحلوى التي تأنق الطباخون في صنعها، فيقول "وبلغ في أيام الناصر محمد بن قلاون راتب السكّر في شهر رمضان خاصة من كل سنة ألف قنطار، ثم تزايد حتى بلغ ثلاثة آلاف قنطار في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة".

ومن اللافت أن علية القوم فضلا عن العامة كانوا يهتمون للغاية بصلاة الجمعة الأخيرة في رمضان بجامع عمرو بن العاص، المسجد الأول في تاريخ مصر الإسلامية، وهي العادة التي لا تزال جارية إلى اليوم، ويصف المؤرخ الجبرتي في القرن 18 الميلادي أن الأمراء وأهل القاهرة والفسطاط وبولاق كانوا يحرصون على ذلك، ونظرا لأن للحشود الغفيرة التي كانت تأتي من كل حدب وصوب فقد حرص أرباب الملاهي على المجيء أيضًا لعرض بضاعتهم ومهاراتهم.

يقول الجبرتي "ويجتمع بصحبته أرباب الملاهي من الحواة والقرداتية وأهل الملاعيب والنساء الراقصات المعروفات بالغوازي" لكن تلك العادة بطلت بسبب سوء حالة المسجد وانهيار أجزاء منه فضلا عن سقفه طوال ثلاثين عاما قُبيل مجيء الحملة الفرنسية.

بعيون أوروبية
وإذا كانت عادات المصريين في رمضان قد استرعت انتباه المؤرخين المسلمين، فقد استرعت انتباه الرحالة الأوروبيين الذين بدؤوا في الوفود واستكشاف مصر منذ القرن 15 الميلادي، وقد كتب بعضهم عن أهم عادات المصريين في هذا الشهر الفضيل، وقد حرص الرحالة الفرنسيون على رؤية الاحتفال بلية القدر لما فيها من مباهج، فكانوا يحرصون على استئجار غرفة في شارع رئيسي ليتمكّنوا من مشاهدة هذا الاحتفال.

أما المؤرخ والرحالة البريطاني وليم لين بول فيستفيض في ذكر عادات المصريين في شهر رمضان في كتابه "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم" فكان مما لفت انتباهه أن المسلمين يتناولون فطورهم عامة في منازلهم ويمضون بعده ساعة أو ساعتين أحيانًا في منزل أحد الأصدقاء، ويرتاد بعضهم خاصّة أبناء الطبقات الدنيا المقاهي في المساء، فيعقدون اللقاءات الاجتماعية أو يستمعون إلى رواة القصص الشعبية أو عزف المزيكاتيين الذين يُسلّونهم في المقاهي كل ليلة هذا الشهر.

ويروي أن الناس يتدفقون إلى الشوارع طوال جزء طويل من الليل كما تبقى محلات بيع الشربات والمأكولات مفتوحة، وهكذا ينقلب الليل نهارًا بفضل الأغنياء، ويقيم بعض علماء القاهرة حلقات ذكر في منازلهم كل ليلة طوال هذا الشهر، كما يدعو البعض أصدقاءهم فيُقيمون ذكرًا أو ختمة، ويدور "المسحِّرون" كل ليلة في رمضان فيطلقون المدائح أمام منزل كل مسلم قادر على مجازاتهم، ويُعلنون في ساعة متأخرة فترة السحور.

تلك بعض ممارسات وعادات المصريين في رمضان، غلب عليها الفرح والاستمتاع والبهجة، وكذلك العبادة والطاعة وقراءة القرآن وحلقات الذكر، ولا تزال أغلب هذه العادات مؤصلة في وجدان المصريين ووعيهم الجمعي حتى يومنا هذا، يتوارثها جيل بعد جيل.

المصدر : الجزيرة