سيدنا رمضان بالمغرب.. مظاهر احتفالية ونصف قرن من الدروس الدينية

الدروس الدينية التي تلقى في حضرة الملك باتت مدرسة قائمة بذاتها نظرا لتنوع مواضيعها وتنوع العلماء الذين يلقونها (الجزيرة)
الدروس الدينية التي تلقى في حضرة الملك باتت مدرسة قائمة بذاتها نظرا لتنوع مواضيعها وتنوع العلماء الذين يلقونها (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط

يحضر رئيس المجلس العلمي للناظور (شمال شرق) ميمون بريسول كل سنة الدروس الدينية التي تنعقد في القصر الملكي بالرباط أو الدار البيضاء؛ يرتدي جلبابه الأبيض وسلهاما (البرنس) تقليديا من اللون نفسه، ويجلس مع غيره من المدعوين على الأرض المفروشة بالزرابي في حلقة علم يفتتحها الملك ويختمها بالدعاء. 

يقول بريسول للجزيرة نت إن هذه الدروس باتت منذ انطلاقها في ستينيات القرن الماضي تقليدا يميز المغرب، ويحكي كيف بلغت شهرتها العالم "إذا ذكر رمضان في المغرب تذكر معه الدروس الحسنية، وفي أي رحلة لي إلى البلدان الأوروبية يستفسر الناس عنها". 

وبحسب بريسول، فقد أصبحت هذه الدروس الدينية -التي كانت تسمى الدروس الحسنية نسبة إلى الملك الراحل الحسن الثاني الذي بدأها عام 1963م وحافظ عليها الملك محمد السادس- مدرسة قائمة بذاتها؛ نظرا لتنوع مواضيعها، وتنوع العلماء الذين يشاركون فيها ويلقونها.

وبينما يعتلي صاحب الدرس منبر العلم، يتوسط الملك الحلقة وبجانبه بعض أفراد عائلته، في حين يتوزع على البهو الفسيح في القصر العلماء والمقرئون، إلى جانب الوزراء والسفراء وقيادات الجيش وكبار موظفي الدولة.

ينطلق العالم من آية كريمة أو حديث نبوي شريف، يكون مفتاحا للقضية التي يتناولها بالتحليل في درسه الديني، وينقل هذا الدرس مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة المغربية، وسنويا تجمع تلك الدروس وتطبع في كتاب تتم ترجمته إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية والروسية.

ضيوف من كل حدب
وافتتح الدروس الحسنية هذا العام وكالعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي، وتناول موضوع "استثمار قيم الدين في نموذج التنمية"، وتناوب على المنبر  خلال العشرين يوما الأولى من رمضان سعد بن ثقل العجمي أستاذ في الهيئة العامة للتعليم بالكويت، في موضوع "مسألة الاحتجاج بفهم السلف"، ومحمد بنكيران، عضو المجلس العلمي المحلي للعرائش، في موضوع "صيانة حديث الرسول الأمين برعاية أمير المؤمنين"، وذكر الرحمان مدير المركز الثقافي الإسلامي الهندي في نيودلهي، في موضوع "التربية على المسؤولية".

صلاة التراويح بمصلى الانبعاث في مدينة سلا أشهر المصليات بالمغرب ويستقطب أجود القراء (الجزيرة)

ومن اللافت الحضور الكبير لممثلين عن الهيئات والمراكز الإسلامية والجامعات في الدول الأفريقية، ومفتين لعدد من الدول الإسلامية مثل مصر وفلسطين وتونس، والقيادات الدينية فيها، وممثلي الأقليات الإسلامية في الدول الأوروبية وأميركا.

ومنذ انطلاقها إلى اليوم، اعتلى منبر الدروس الحسنية علماء من مختلف دول العالم الإسلامي، ينتمون لتيارات مذهبية متعددة، ومن أبرزهم الإمام أبو الأعلى المودودي، وشيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، والإمام الشيعي موسى الصدر، والشيخ أبو الحسن الندوي، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ سعيد رمضان البوطي، والشيخ عبد الله بن بيه، والدكتور فريد الأنصاري، والدكتور أحمد الريسوني. وتميزت الدروس في عهد محمد السادس بإلقاء المرأة لأول مرة درسا دينيا في حضرة الملك وضيوف المغرب من العلماء والدعاة.

احتفاء بأهل القرآن
ويحظى القرآن الكريم وأهله بمكانة خاصة في شهر رمضان، إذ تحيي المجالس العلمية والجمعيات المدنية أمسيات قرآنية لأشهر القراء في البلاد، ومسابقات في حفظ وتجويد القرآن للأطفال والكبار.

هذه الفعاليات تدل -حسب ميمون بريسول- على العناية الفائقة التي يوليها المغرب رسميا وشعبيا بالقرآن الكريم، إذ إنهم يحرصون على ختمه بشكل فردي في بيوتهم عدة مرات في هذا الشهر، وختمه في كل مساجد المملكة ليلة 27 من رمضان.

ومن الاحتفالات المميزة بحفظة القرآن، ذلك الذي نظمته جمعية الرسالة للتربية والتخييم بمدينة تيفلت (شمال غرب) احتفاء بالأطفال الفائزين في مسابقة محلية لحفظ القرآن الكريم.

ففي حفل كبير بساحة المدينة، كُرم القراء الفائزين بطريقة خاصة، وحُملوا على العمارية (هودج مزين)، ورفعوا على أكتاف أربعة رجال يرتدون لباسا تقليديا موحدا، بينما كانت الأصوات تصدح بالمدائح النبوية والصلاة والسلام على النبي والزغاريد.

ويضاهي هذا الشكل الاحتفالي العادات المغربية في إقامة الأعراس، فحافظ القرآن هو نجم الحفل وعريس تلك الليلة القرآنية.

احتفاء بالفائزين في مسابقة لحفظ القرآن بحملهم على الهودج، أو العمارية كما يسمى في المغرب (الجزيرة)

وتعرف بيوت الله إقبالا منقطع النظير في صلاة التراويح، حتى أن المساجد لا تكفي لاستيعاب المصلين، فيتم استغلال الساحات والشوارع المجاورة للصلاة وبناء مصليات وسط الأحياء السكنية، في حين يتنافس القائمون على المساجد والمصليات في استقطاب أجود المقرئين، أو ما بات يطلق عليهم "نجوم التراويح".

مظاهر متنوعة
وتعكس مختلف مظاهر الاحتفال برمضان تشبث المغاربة بالاحتفال بشهر الصيام، فهم يلتزمون بهذه الشعيرة الدينية، حتى أنهم يسمونه "سيدنا رمضان" و"العواشر" تبجيلا واحتراما لهذا الشهر الفضيل. ونظرا لمكانته المميزة، يحرص الرجال والنساء والأطفال على ارتداء الملابس التقليدية خلال الزيارات العائلية وصلاة التراويح وقضاء أغراضهم اليومية وأيضا في العمل.

وتشهد المحلات التجارية المتخصصة في بيع الجلباب التقليدي ومحلات الخياطة إقبالا كثيفا خلال هذا الشهر، ويتمسك الرجال والنساء بأن يكون لباسهم هو الجلباب التقليدي طيلة أيام شهر رمضان فهم يودعونه أيضا بنفس اللباس، لذلك يحرصون على شراء أو خياطة جلباب جديد لارتدائه في عيد الفطر.

ولا تكتمل الصورة بدون ضربات طبل "النفار" (المسحراتي) أو أنغام مزماره، ورغم أن هذه الوظيفة في طريقها إلى الانقراض بسبب اعتماد المغاربة على طرق أخرى للاستيقاظ للسحور، فإن المسحراتي لا زال يزين أيام رمضان، ويضفي وجوده نكهة خاصة على لياليه.

المصدر : الجزيرة