"مسار" في دارة الفنون.. تجارب عشرة فنانين عرب يبحثون عن فضاءات الذات

"مسار" في دارة الفنون.. تجارب عشرة فنانين عرب يبحثون عن فضاءات الذات

من أعمال الفنانة وجدان الهاشمي في المعرض بطبعات تمزج بين مفردات الحب ورمزياتها (الجزيرة)
من أعمال الفنانة وجدان الهاشمي في المعرض بطبعات تمزج بين مفردات الحب ورمزياتها (الجزيرة)

حسين نشوان-عمان

يجمع المعرض الذي يتواصل في دارة الفنون بالعاصمة الأردنية عمان تحت عنوان "مسار" تجارب عشرة فنانين عرب تختلف تجاربهم وأساليب، إلا أن ما يجمعهم هو رحلة البحث عن الذات، والتعبير عن تلك الرحلة بعفوية وجماليات البساطة.

شارك في الأعمال التي أقيمت في المبنى الرئيسي والبيت الأزرق بدارة الفنون: وجدان، نبيلة حلمي منى السعودي، أحمد نعواش (الأردن)، مروان قصاب باشي (سوريا)، هيمت علي ونديم كوفي (العراق). بينما ضم البيت الأزرق أعمال جيل الشباب منجد قاسم وهيا عبد الحميد ودانة قاوقجي من الأردن.

عنوان المعرض الذي يمثل أعمالا منتقاة لكل فنان تمثل روح تجربته التي يمتد بعضها لنصف قرن، وتقود المتلقي في الوقت نفسه للمساحات المتنوعة والغنية التي لا ترتبط بتجاربهم فحسب، بل فيما يجمع بينهم من أسئلة تتصل بالذات ووسيلة التعبير.

من أعمال الفنان منجد قاسم الذي يعتبر "مسار" هو اختلاف الوسيلة والتقاء التعبير لاكتشاف الذات (الجزيرة)

الارتداد باتجاه الذات
تتشابه تجارب المشاركين في اشتغالاتهم على المساحة باقتصاد اللون والخط، وخياراتهم التجريدية والرمزية التي تقوم على الاختزال والبراءة التعبيرية للهرب من المشهد الواقعي إلى الرمزية التجريدية.

وهو تعبير يذهب للتبسيط وانفتاح الفضاء ومساحة الحرية واللعب الذي يقود الإنسان بعيدا عن تعقيدات الواقع وتأزماته بعفوية.

وفي المطوية التي قدمت للمعرض أشارت إلى أن المسارات التي اتخذها كل فنان بين الفضاءات ثنائية الأبعاد وثلاثيتها تمثل الاحتمالات غير المحدودة التي يمثلها الخط البسيط كأداة مرئية ومفاهيمية لكشف العلاقات الجمالية بين الخط وتكويناته".

في التجارب التي اجتمعت في دارة الفنون تحت عنوان "مسار" هناك خيط رفيع يجمع بين تلك التجارب في انقلابها على التجربة التي ارتبطت بالأحداث الكبرى والهموم العامة، والارتداد باتجاه الذات بعد الإحساس بالغموض الذي حجب فيه غبار الحروب ودخانه رؤية الواقع.  

هذه الخيارات التي قدمتها دارة الفنون تمثل مقطعا من تجربة كل فنان خلال بحثه للتعبير عن الذات التي كان خلالها يبحث عن السلام الداخلي فعبر عن نفسه بالخط المجرد الذي يجتمع فيه الفنانون في الهرب من اللحظة الواقعية إلى اللحظة الرمزية التي تحرر الفنان والمتلقي من ركام اللون والواقع.

الحرف كوحدة تراثية
ومن تلك المعروضات ما قدمت الفنانة وجدان الهاشمي لمجموعة من الأعمال التي اشتغلتها على ورق الأرز والقطن بمعلقات طولية تشبه الرايات والأعلام التي على أضرحة المتصوفة، بطبعات تمزج بين مفردات الحب ورمزياتها.

ويقول أستاذ النقد الجمالي بالجامعة الأردنية الدكتور مازن عصفور إن وجدان قد انتقلت من السردية في الخطاب المتناقض إلى المجازية التي تجعل الحرف كحل تأصيلي للتعبير عن أزمة الأمة في تاريخها، للذهاب إلى تأصيلية الحرف كوحدة تراثية وجمالية تجريدية.

وعرضت الفنانة منى السعودي سكتشات محفورة (جرافيك) اشتملت على مزج بين الحروفية والنصوص الشعرية لأدونيس والجسد الأنثوي المستمدة من كلمة "تكوين" التي تشكل ملاذا للمرأة في الحلول التي تقترحه بتجاورات الخطوط المنحنية مع الأبنية التي تشكلها الكلمات كمشهد بصري متناغم.

من أعمال قصاب باشي في معرض "مسار" في دارة الفنون (الجزيرة)

الفضاء الصوفي
أما تجربة قصاب باشي فواءمت بين الفضاء الصوفي والمدرسة التعبيرية الألمانية في رسم الوجوه، بوصف الوجه مرآة لانعكاس الباطن، وقد استمد أعماله من بيت لابن عربي:

وما الوجه إلا واحد غير أنه

إذا أنت عددت المرايا تعددا

ويطابق من خلال تلك الخطوط بين جسد الإنسان (وجهه) وجسد المكان وتضاريسه التي يعبر عنها من خلال الضربات المبعثرة والعيون الكبيرة والمبالغة في مساحة الرأس وتدويره الذي يشبه الكرة الأرضية وتضاريسها، متتبعا نهج التعبيرية الألمانية التي نشأت كردة فعل على النازية الألمانية، ولكن قصاب باشي ذهب إلى اختيار الألوان الداكنة الثقيلة والأكثر غرائزية.

إلى ذلك اشتغلت نبيلة حلمي بالألوان المائية على الورق خطوطا متقاطعة حادة تظهر في جسد الإنسان وكأنه في حالة انهيار، وهي في ذلك تنقل القلق الذي شعرت به بعد نفيها من بلدها فلسطين إلى أميركا، وقلقها المضاعف وخوفها من الوحدة التي أحست بها خلال المنفى، وعبرت عن ذلك بخطوط متقاطعة ومتداخلة تظهر معها تشخيصات عفوية لا تخلو من التمزيق والانشراخ.

وفي الأعمال التي عرضت للراحل أحمد نعواش برز الحنين للذات في طفولتها وبراءتها بتعبيرات السذاجة المحببة برسم شخوص طفولية خفيفة معلقة في الهواء.

الفنان هيمت علي سافر للدراسة فاندلعت الحرب في بلده العراق فبحث عن لغة للتعبير لا تنتمي للأبجدية (الجزيرة)

الحرب والفن
أما هيمت علي الذي كان سافر للدراسة فاندلعت الحرب في بلده العراق ولم يتمكن من العودة، فبحث عن لغة للتعبير لا تنتمي للأبجدية بأي من اللغات، وكأنه يقترح لغة خاصة، فرسم محفوراته على ورق الأرز الياباني لأشكال تسبح في الفضاء.

ويقول هيمت "الفن يهب هوية الإنسان بوسيلة التعبير ورمزياته، كل شيء ينبعث من الداخل، وحينما أرسم أتبع أحلام يدي التي تأخذني بعيد، إلى الفراغ الذي هو أفق السماء".

وهو ما يتبدى في أعمال نديم كوفي الذي غادر بلده العراق مجبرا خلال اشتعال الحرب فبدأ بالبحث والتجريب على المواد والشكل التي تمنح اللوحة أثر التاريخ الذي ينتمي إليه برمزيات وعلامات تدل على هويته التي لفرط الارتحال كاد ينساها أو لم يستطع الآخر التعرف عليها.

تجارب الشباب
كما ضم المعرض في البيت الأزرق تجارب الشباب التي تنوعت بين الرسم والأعمال التركيبية. ويقول منجد قاسم إن "مسار" هو اختلاف الوسيلة والتقاء التعبير لاكتشاف الذات، لأن كل واحد يريد أن يعرف أين يمكن أن تحمله اللوحة، وكيف يمكن من خلالها أن تعرف ذاتك، فـ"الفن فلسفة حياة".

المصدر : الجزيرة