"المحيا" العثمانية.. زينة المساجد التركية في رمضان

"المحيا" العثمانية.. زينة المساجد التركية في رمضان

المحيا معلقة بين مئذنتي مسجد كوجاتبه أكبر مساجد العاصمة أنقرة (الجزيرة)
المحيا معلقة بين مئذنتي مسجد كوجاتبه أكبر مساجد العاصمة أنقرة (الجزيرة)

زاهر البيك-أنقرة

ما إن يأذن شهر رمضان الفضيل بالدخول في تركيا حتى تنتشر أضواء زينة معلقة بين منارات المساجد موسومة بعبارة "أهلا بك يا رمضان" وعندما يحين وقت مغادرته يودعونه بعبارة "وداعا يا رمضان".

وتسمى هذه العادة "المحيا" وهي لافتات ضوئية تعلق بالشهر الكريم بين مئذنتي المساجد الكبيرة حيث تعرض عبارات دينية تتغير على مدار رمضان، ويرجع تاريخها إلى العهد العثماني، ويُطلق على كاتب عبارات الزينة المضيئة ورابطها فوق منارات المساجد اسم "المحياجي".

واحتلت "المحيا" مكانة مهمة ونالت إعجاب سكان الدولة العثمانية والزوار، وكان الأجانب يتداولون الحديث فيما بينهم عنها قائلين "الأتراك نجحوا بإنزال النجوم من السماء واستعمالها للكتابة بين المآذن".

ويعود هذا التقليد إلى ما قبل 450 عاما، حيث علقت أولى لافتاته في عهد السلطان أحمد الأول بين مئذنتي جامع السلطان أحمد الشهير في إسطنبول.

.. معلقة بين مئذنتي مسجد السلطان أحمد (الجزيرة)

رسائل دينية
واليوم، لم يفقد رمضان مكانته لدى الشعب التركي، بل حافظ على عاداته العثمانية التي أهدت للشهر الفضيل مهنة المحيا.

وأصبح التقليد عادة تشرف عليها رئاسة الشؤون الدينية، وتستخدم الأسلاك الكهربائية لرسم الآيات القرآنية والأحاديث والمواعظ المعلقة بين مآذن المساجد.

وفي هذا السياق، قال محمود تملي مسؤول العلاقات الخارجية بالشؤون الدينية "المحيا فنّ وتراث عثماني قديم يعود إلى 450 عاما، حيث كانت الجوامع في تلك الحقبة تُزيّن بمصابيح زيتية على شكل جملة أو رمز".

وذكر تملي أن الناس كانوا يتنقلون بين الجوامع الكبيرة لمشاهدة هذا الفن الذي ظهر كوسيلة مرئية وحيدة قبل التلفاز والصحف والسينما، وبعد تأسيس الجمهورية تم الانتقال إلى أنظمة الكهرباء بدلا من المصابيح الزيتية.

تصاميم مضيئة
ولفت مسؤول الشؤون الدينية إلى أن العمل انطلق في الورشة التابعة لمديرية الأوقاف العامة بإسطنبول منذ 15 شعبان من أجل إتمام تصاميم مضيئة، عبارة عن أحاديث وأقوال وأدعية، وتعليقها على مآذن المساجد.

وأضاف للجزيرة نت "بناء على قرار رئاسة الشؤون الدينية كانت أول محيا في رمضان الحالي عبارة عن جملة (الصوم زكاة البدن) والثانية (كُل وأطعِم ولا تُسرِف)".

وأكد أنها كلمة فارسية وتعني ماهية أي الشهري. أما كلمة ماح فمعناها القمر، وباللغة العثمانية تعني نور الوجه.

واعتبر تملي أن الهدف الرئيسي من المحيا توجيه الناس نحو الإحسان والثواب وإعطاؤهم رسائل جيدة نحو الخير، وتذكيرهم بضرورة شكر الله على نعمه وإحسانه.

 عام 1724 علقت على مآذن آيا صوفيا ﻷول مرة (الجزيرة)

تراث عثماني
وبحسب الصحافة التركية فإن المحيا صنعت في عهد الدولة العثمانية من القناديل المضيئة بزيت الزيتون، حيث كانت تركب على حبال مشدودة بين مئذنتين، وكانت المحيا الواحدة تضم ما بين أربعمئة وخمسمئة قنديل مجهز بشكل خاص حتى لا ينطفئ بسرعة ولا يتسبب في حريق، وكانت صناعته مكلفة ومتعبة وتتطلب مهنية عالية وشجاعة من المحياجي.

وعلى الرغم من ذلك، فقد كان حرفيو المحيا يتنافسون في العهود السابقة على تغيير العبارات بشكل متكرر ويومي، بعد انتهاء صلاة التراويح، مما كان يضفي لونا حماسيا على ليالي رمضان القديمة. وعام 1724 علقت المحيا على مآذن آيا صوفيا ﻷول مرة.

يتنقل الناس بين الجوامع الكبيرة لمشاهدة هذا الفن الذي يزين المساجد (الأوروبية)

تطوير المحيا
نجح عبد اللطيف أفندي كبير حرفيي المحيا في تطوير وتحسين هذه المهنة، حيث صنع محيا تتحرك من اليمين إلى اليسار وعلقها بين مئذنتي جامع السليمانية، مستعملا ثلاثة حبال، وبعد وفاته عام 1787، حل أولاده محله، وهكذا تناقلت الأجيال هذه المهنة.

ووفقا لتقارير تركية، فإنه عام 1878 تم تركيب محيا في جامع بايزيد، تفنن فيها صانعها. فقد صور مدفعية تطلق النار على قلعة، ولما رآه سفير بريطانيا آنذاك أثار بلبلة لتشبيهه إياه بمدفعية تقصف كنيسة، فقدم احتجاجا رسميا ضد هذا المحيا لوزارة الخارجية العثمانية، فتم توضيح الحقيقة له.

ويبقى شكل المحيا ورونقها الرمضاني الخاص ذكرى عبقة للشهر الفضيل، وما إن يُذكر رمضان المبارك حتى تخطر بجمالها على عقول الأتراك، ومن سبق له زيارة البلاد، بصورتها المعلقة المضيئة فوق مساجد تركيا الجميلة.

المصدر : الجزيرة