المثقفون وحراك الجزائر.. أسئلة الحضور والغياب

حراك الجزائر حرر الجميع وفتح آفاقا جديدا أمام المثقفين
حراك الجزائر حرر الجميع وفتح آفاقا جديدا أمام المثقفين
سالم جمال-الجزائر

"هذا ليس شعباً بل غاشي (غوغاء)" جملة التصقت لسنوات طويلة بكاتب وسياسي جزائري، يفرّ منها فتلاحقه، تماما كما ترسّخت صورةٌ نمطية جد سلبية عن النخبة وعلاقتها بالشعب، خاصة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي استطاع تطويع نخب من شتى المجالات وإبعادها عن مجالها الحيوي والطبيعي، وتحويلها إلى أبواق لسياساته المتناقضة.

مشهدٌ قاتم زاده ظلمة انسحاب أجيال من المثقفين بعد أن نال منهم اليأس، في حين بقى غيرهم يعالجون سلبيّات المجتمع بالصدمة، وضعٌ مشتت ومركب، قلّل من تأثير النخب الكلاسيكية في الشعب قبل الحراك، وساهم في بروز طبقة جديدة من فنانين ومثقفين، حاولت تقريب المسافات بين النخبة وجمهورها.

ليس من السهل شرح مصطلح النخبة بدقة، وتعيين المنتمين إليه وإخضاعهم بعدها لميزان السؤال والجواب وجرد مواقفهم، في المراحل التي مرت بها الجزائر عبر التاريخ، وتحديدا قبيل الحراك الذي انطلق في 22 فبراير/شباط 2019 بقوة فاجأت أكثر المراقبين نباهة.

لكن ورغم عنصر المفاجأة سيكون من الخطأ القول إن حراك الشعب سقط من السماء، بل هو نتيجة تراكمات عدّة في شتى المجالات، من بينها تأثير الفعل الثقافي بكل مستوياته، في تشكيل شخصية الجزائري الرافض لوضعه الراهن.

فنانو الهوامش
يرى الأستاذ الجامعي نوري إدريس أن "القطاع الذي لعب دورا في تراكم مسببات الحراك هم الفنانون، والمغنون تحديدا" منبها للدور المحوري الذي لعبه شباب الملاعب وفرقهم الغنائية التي رفعت منذ سنوات سقف النقد عاليا شعرا وموسيقى، فحرية التعبير عندهم -كالملاعب- بلا سقف.

يعود إدريس إلى دور الأغنية الملتزمة في حشد الجماهير وتجنيدها في مشاريع نضالية سابقة، ويقول "في منطقة القبائل المعروفة تاريخيا بنزعتها الثورية والمعارضة للسلطة، يكاد يكون الغناء الملتزم هو المجند الأساسي في المنطقة. وهو من لعب دور صانع الوعي الهوياتي أولا والسياسي ثانيا، ويبرز هذا جليا في مسار وقيمة الفنان معطوب لوناس عند محبيه، كما عرفت الجزائر موجة من أغاني الراب الملتزمة مثل أغاني لطفي (دوبل كانو) الذي لعب هو أيضا دورا كبيرا في صناعة وعي سياسي شبابي".

يدخل في هذا الصنف فنانون آخرون كتبوا وغنوا وعارضوا لسنوات طويلة، مساهمين بشكل أو بآخر في الحفاظ على الغضب الكامن في صدر الشعب، أمثال عز الدين الشلفي، أمازيغ كاتب، بعزيز، وغيرهم.

المسرح والنكتة
يمكننا أن نقيس (نسبيا) درجة تأثير فعل ثقافي ما على مجريات الحراك الجزائري، بالإصغاء إلى أهازيج وشعارات ونقاشات الجمهور العريض، فبالإضافة للمغنين، ساهمت مجموعة من الممثلين والمسرحيين في شحذ همم الناس وخاصة الشباب، وكسر حاجز الخوف لسنوات متتالية.

ومن أبرز الأمثلة حصة "جورنان القوسطو-ناس سطح" التي بثت في قنوات جزائرية عديدة، وسببت مشاكل كبيرة لتلك القنوات، حيث تناول مجموعة من الشباب الموهوب على رأسهم المسرحي عبد القادر جريو، والممثل نبيل عسلي كل المحظورات السياسية بشجاعة وحس فني كبيرين، في وقت سكت فيه كبار الكتاب والمثقفين خوفا وطمعا، وقد أنتجت تلك الحصص أغاني وعبارات حفظها ورددها الشعب قبل وبعد الحراك.

كما برز المخرج المسرحي أحمد رزاق الذي أشعل الركح بمسرحياته التي جسّدت الوضعية الجزائرية قبيل الحراك دون تنميق ولا مداهنة، بل استطاعت مسرحيات مثل "كشرودة، طرشاقة" أن تصالح الجمهور مع المسرح، حيث عُرضت المسرحيات لأسابيع طويلة أمام صالات ممتلئة.

الحراك والنخب الكلاسيكية
لم تتوقع النخب من كتاب وروائيين توقيت الحراك ولا قوّته، رغم أن أصواتا عدة حذّرت من أن سكوت الشعب لن يطول، وهذا ما كان فعلا، صرخ الشعب وحرر في هبته أصواتا عدة، في حين فضلت أخرى السكوت.

فمن الصعب اليوم العثور -على رأي الروائي رشيدة بوجدرة- ونحن نعيش الشهر الرابع من حراك سلمي أبهر العالم، وزعزع أركان النظام الجزائري، ليبقى موقف صاحب "الحلزون العنيد" وأحد أهم الروائيين الجزائريين غير مبرر ولا مفهوم، خاصة وأنه عودنا على قلم سيال يكثر التعليق على أمورٍ أقل شأنا مما تعيشه الجزائر اليوم.

وعلى عكس بوجدرة، برز صوت الروائي كمال دواد الذي سار في عدّة جمعات وواكب الحراك كتابة ونقدا حسب قناعاته وتوجهاته، مبديا تأثرا كبيرا بخروج الآلاف للشارع في هبة أيقظت في الجزائريين كلهم شرفا كاد أن يوأد "بكيت فرحا اليوم (جمعة 15 مارس/آذار) وفرح معنا أموات الجزائر، أموات أكتوبر 1988 (أحداث دامية عجّلت بنهاية نظام الحزب الواحد ومهّدت للتعددية) ضحايا 2001 (أحداث دموية في منطقة القبائل خلّفت 127 قتيلا) أموات العشرية السوداء. أموات البحر.. آه لو رأيتم ما حصل اليوم".

وعلى نفس الوتيرة سار الكاتب الشهير ياسمينة خضرا (محمد مولسهول) الذي عُرف عنه نقده لنظام بوتفليقة. كما لم يتأخر العديد من الروائيين والكتاب، في الخوض في أمور الحراك تحليلا واستشرافا بالموازاة مع مشاركتهم في المسيرات، مثل الروائي سعيد خطيبي، أمين الزاوي، الفيلسوف محمد شوقي الزين، وغيرهم.

وحول دور النخب في مواكبة ما تعيشه البلاد من أحداث متسارعة، تقول الباحثة والأستاذة الجامعية صبرينة زواقي -التي نشطت مقاهي أدبية عديدة منذ بداية الحراك- إنه يستحيل على أي مسار ثوري أن يكتفي بالتظاهر في الشارع، بل يجب أن يتزاوج مع "عصارة الإنتاج الفكري للمثقفين، الملزمين بالمشاركة في النقاش العام، وباتخاذ مواقف في كل المستجّدات".

تعتقد زواقي أن النخبة قدمت إضافة نوعية للحراك، وقالت "النخب النزيهة استطاعت التأثير في الشارع وتقديم مضامين سياسية وفكرية للغضب والرفض الذي يطبع المشاركين في الحراك، ومن الجميل أن يتم تحويل شعار شعبي مثل "ينتحاو قاع" (ليرحلوا جميعا) إلى مسرحية، رواية، أو نص علمي".

طرح يوافقه الروائي واسيني الأعرج الذي كتب في صفحته على فيسبوك بأن "الحراك يتحول إلى طاقة خلاقة ومبدعة". وشهدت ساحات الجزائر نقاشات فكرية، ومسرحيات في الهواء الطلق نظمها مخرجون مسرحيون وممثلون، أمثال صافي بوتلة، عديلة بن دريماد، وغيرهما.

عرض وتقييم تأثير المثقف والفنان فيما تعيشه الجزائر قبل الحراك يتسم بالنسبية وعدم الدقة. أما اليوم، فالواقع يقول إن هناك ما قبل وما بعد الحراك، فالآن صار الفنان يغني نفس أهازيج المتظاهرين ويعزف الموسيقي نفس نوتة الشعب، وصار الممثل يتذكر قضيته في أوج مجده الفني، مثلما قامت به ممثلات فيلم "بابيبشة" لمخرجته منية مدور، في مهرجان كان الدولي حيث سرن في البساط الأحمر وأمام كاميرات العالم بشعارات سياسية قادمة من قلب الحراك، بعد أن ردّدها الشعب بالملايين.

المصدر : الجزيرة