بين الإهمال والحروب.. أبنية العراق التراثية تتداعى

قبة جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد بعدما تساقطت طبقتها الخارجية (الجزيرة نت)
قبة جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد بعدما تساقطت طبقتها الخارجية (الجزيرة نت)
مروان الجبوري-بغداد
 
بعد أن ظلت قائمة لنحو قرنين وربع من الزمان، استيقظ سكان بغداد على خبر انهيار قبة جامع الأحمدية التراثي، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1796 على يد أحمد باشا الكتخذا، نائب حاكم العراق في زمن المماليك سليمان باشا الكبير.
 
وبحسب القائمين على الجامع، فإن القبة انهارت نتيجة استمرار تساقط الأمطار والاهمال الذي كانت تعانيه منذ سنوات، وهي مشكلة تواجه العديد من المباني الأثرية في العراق، والتي باتت تتداعى وتسقط يوما بعد آخر، بفعل الحروب أو السرقة والإهمال.
ويقول المتحدث باسم أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة إن العديد من البيوت التراثية التابعة لهيئة الآثار والتابعة للأوقاف، تخضع لإشراف الأمانة، وتضع اليد عليها لترميمها وحمايتها.
وبالرغم من أن لدى مؤسسته خططا "مؤجلة" في الوقت الحاضر لحماية هذه الأماكن، إلا أنهم لا يسمحون بهدمها أو التجاوز على بنائها، على حد قوله.
 
ويضيف للجزيرة نت أنهم استطاعوا خلال الفترة الماضية القيام بالعديد من الأعمال في هذا المجال، من بين ذلك إعادة إعمار وترميم أجزاء واسعة من شارع الرشيد ومناطق الأعظمية والكاظمية وغيرها في بغداد، وقد تأخروا في إعادة التأهيل بسبب "الحاجة إلى عناية فائقة ومتخصصين" على اعتبار أن هذه المباني تراثية.
ومن الأسباب التي تعيق عملهم –كما يقول- وجود إشكالات قانونية، ما زالت تنتظر حلولا، لكنهم رغم ذلك بدئوا التنسيق مع مجلس الوزراء، وتم اختيار بعض البيوت للعمل فيها، ليتم تأهيل ثمان بنايات، وهم يأملون في إنجاز المزيد قريبا.
 
منارة جامع الخلفاء في بغداد والتي يزداد انحناؤها يوما بعد آخر (الجزيرة نت)
مسؤولية الأوقاف
ويتهم كثيرون ديوان الوقف السني –باعتباره مسؤولا عن الجوامع الأثرية- بالفساد المالي، الذي أدى إلى إهمال تعرضت له هذه البنايات لسنوات طويلة، قبل أن تتداعي وتسقط، بكل ما تحمله من قيمة تاريخية وفنية، فضلا عن قيمتها الروحية.

وتبدو آثار هذا الإهمال واضحة في أماكن أخرى، مثل جامع الخلفاء الذي بدأت منارته بالانحناء بفعل ليونة التربة تحتها وانعدام الصيانة، وقبة جامع الحيدرخانة التي تفتتت القشرة التي تغطي قبتها، وجامع مرجان الذي تتراكم أمامه الأوساخ ومياه المجاري، دون أي تدخل من الوقف، رغم تبعيتها له إداريا.
 
ويقول مسؤول الدائرة الهندسية بالديوان أحمد الجبوري إن جامع الأحمدية لم تجر عليه أعمال الصيانة منذ سنوات طويلة، وهو يتكون من تلاث قباب، انهارت إحداها بفعل الأمطار وتقادم البناء والمياه الجوفية، مما أدى لسقوط القبة الشرقية له.
 
ويؤكد أنهم في الديوان اتخذوا إجراءات فورية، ونسقوا مع وزارة الثقافة لاستحصال الموافقات على المباشرة في العمل، كما اتفقوا مع شركة "تيكا" التركية المتخصصة بصيانة المباني الأثرية والتراثية، إلا أن كلفة صيانة الجامع البالغة مليون دولار غير متوفرة حاليا، على حد قوله.

ويشير الجبوري إلى أن رئيس ديوان الوقف السني عبد اللطيف الهميم وجه بصيانة جميع المساجد الأثرية وفق المبالغ المتاحة، مع إعطاء الأولولية للأقدم، وتمت صيانة عشرة مبان أثرية في الفترة الماضية، من بينها جامع السليمانية، وخان مرجان، بانتظار الحصول على تمويل لإكمال البقية، وفق ما يقول.
 
جامع الأحمدية لم تجر عليه أعمال الصيانة منذ سنوات طويلة (الجزيرة نت)
مزيد من التهاوي
وفي الأثناء أعلن في بغداد عن حصول تصدعات كبيرة في قبة جامع الشيخ عمر السهروردي، الذي يعود تاريخ إنشائه للقرن السابع الهجري، وقد حصلت أمور مشابهة مع أبنية أخرى خلال السنوات الماضية، مثل قلعة هيت التي تضم واحدا من اقدم المساجد في العراق، وقلعة عنة غربي العراق، فضلا عن الآثار والمباني التي هدمها تنظيم الدولة الإسلامية خلال السنوات الماضية.

ويقول أستاذ التاريخ في الجامعة العراقية عمار مرضي أن حجم الضرر الذي أصاب الأبنية التراثية والأثرية في العراق خلال السنوات الأخيرة كبير وغير مسبوق.

ويضيف للجزيرة نت أن أياد داخلية وخارجية تتحمل مسؤولية الإهمال، فالخلافات والتجاذبات السياسة أثرت بشكل سلبي على الاهتمام بالآثار، أما العامل الخارجي فكان دوره كبيرا، من خلال تجار الآثار ونقل عدد منها إلى الخارج.

وتضم قائمة الآثار التي تعرضت للضرر أو الهدم الكلي والجزئي آثارا دينية ومعمارية، وهي تسير نحو مزيد من التهاوي، وربما تزداد وتيرة ذلك خلال السنوات القادمة، لأن الدعم الحكومي ضعيف، ولا يتناسب مع أهمية هذه الآثار وما تعرضت له من تخريب.

ورغم بعض الخطوات التي تقوم بها وزارة السياحة والآثار لإعادة تأهيل البنايات التراثية وتخصص ميزانية للآثار، وكذلك وزارة الثقافة بالتنسيق مع السفارات وغيرها لاسترجاع الآثار المسروقة، إلا أن ذلك يبدو غير كافيا، كما يرى كثير من العراقيين، الذين كانوا يأملون أن يصبح بلدهم واحدا من أكبر الوجهات السياحية في العالم، بدل أن تصبح آثاره بين مطرقة النهب وسندان الإهمال.
المصدر : الجزيرة