خطوط غيّرت الثقافة والحياة.. هل الإضاءة بالنيون أكبر رموز القرن 20؟

اكتشاف النيون جعل فضاءات من قبيل مولان روج في باريس وغيرها  أماكن متوهجة طوال الليل (رويترز)
اكتشاف النيون جعل فضاءات من قبيل مولان روج في باريس وغيرها أماكن متوهجة طوال الليل (رويترز)

في رواية "الأخت الصغيرة" للأديب الأميركي ريمون شاندلر يحكي البطل عن لوس أنجلوس نهاية الأربعينيات ذات الرائحة الكريهة لغرفة معيشة معزولة، لكن الأنوار الملونة للمدينة الأميركية سحرته بروعتها، فهتف قائلاً "يجب أن يكون هناك نصب تذكاري للرجل الذي اخترع أضواء النيون، لقد صنع شيئاً عظيماً من لا شيء".

لقد صنع مخترعو الأنوار فعلاً شيئاً من اللاشيء، فعندما تفكر في مدن مثل لاس فيغاس وهونغ كونغ فإن أول ما يتبادر إلى الذهن سيكون أنوار النيون، فالهواء والغازات التي أصبحت مضيئة في أنابيب زجاجية شكلت أيقونات التجارة والترفيه للعصر الحديث، وانتشرت الإضاءة بالنيون على نطاق واسع منذ ظهورها لأول مرة أوائل القرن العشرين.

وقد تحدثت الكاتبة سارة آرتشر في تقريرها الذي نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية عن الاكتشاف الذي توصل إليه الكيميائي الأسكتلندي وليام رامزي عام 1898، الذي جعل كلا من مولان روج في باريس، وشارع لاس فيغاس، وميدان نيويورك تايمز، أماكن متوهجة طوال الليل، ومع ذلك، يبدو أنها بدأت تختفي منذ ذلك الحين.

كنقطة مرجعية، وبالاعتماد على نقطة الغليان للأرغون، قام رامزي وزميله موريس ترافرز بعزل ثلاثة غازات نبيلة أخرى حيث أطلقا عليها أسماء نيون وكريبتون وزينون. واعتمادا على هذا الاكتشاف، اخترع المهندس الفرنسي جورج كلود نوعا جديدا من الإضاءة، حيث قام بتصميم أنابيب زجاجية يمكن فيها حبس غاز النيون، يمكن توصيلها بعد ذلك بالكهرباء لإنشاء ضوء يتوهج لأكثر من ألف ساعة.

ساحة التايمز بمدينة نيويورك (رويترز)

النيون والفلسفة
في كتابه "الإنسان والنيون" تحدث الكاتب والفيلسوف لويس دي ميراندا عن تاريخ اختراع مصباح النيون، كما استحضر بشكل جميل الفكرة التي اعتبره رمزا للقرن العشرين قائلا "بمجرد سماع كلمة نيون، أول ما يخيل في أذهاننا مزيج من الضوء والألوان والرموز والزجاج، وهذه الصورة في حد ذاتها تبعث شعورا جيدا في النفس".

ويضيف دي ميراندا "النيون يتحدث -بشكل لا يزال مرتبكًا- عن جوهر المدن وقصائد الليالي في القرن العشرين. وقد تبدو علامات النيون وكأنها صامتة لكن النيون أكثر بكثير من مجرد نيون"

ويكمل الفيلسوف البرتغالي في كتابه "الوجود والنيون" أن إشارات النيون أكثر من مجرد رموز حنين تطفو من حين لآخر، فهي لم تنتم بعد إلى عصر ما بعد الحداثة الرقمي، لكنها تتجاوز الحداثة بالفعل، ورغم أن الفلاسفة المعاصرين من ديكارت إلى باشلار قاموا بالتحديق في النار لدعم تأملاتهم حول طبيعة الوجود والوعي، فعدد قليل جدًا منهم نظر إلى إشارات وعلامات النيون بتركيزٍ كافٍ وصبر وفضول فلسفي، كما فعل الفيلسوف البرتغالي في هذا الكتاب.

وعندما ظهرت أضواء النيون لأول مرة في أوروبا، بدت وكأنها شيء مستقبلي، سرعان ما أصبحت عادية بحلول فترة الستينيات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الاستخدام واسع النطاق للبلاستيك في اللافتات الضوئية التي تستخدم ضوء الفلوريسنت. في الواقع، لا تزال إشارات النيون موجودة اليوم، على الرغم من أن تقنيات أحدث، على غرار اللافتات الإعلانية الرقمية تفوقت عليها.

غلاف كتاب "الوجود والنيون" للفيلسوف البرتغالي لويس دي ميراندا (مواقع التواصل)

في الثقافة والتجارة
وأفادت الكاتبة أن 1910 مثّل عام الإبداع والأعمال العظيمة، على غرار الفن التكعيبي لبابلو بيكاسو، وملابس كوكو شانيل، وموسيقى كلود ديبوسي، التي بشرت بعصر جديد من الثقافة لأوروبا والعالم.

وخلال فترة انتشار هذه الأعمال الفنية، قام كلود بعرض أضواء النيون لأول مرة في معرض باريس للسيارات في ديسمبر/كانون الأول 1910، حيث تهوجت أضواء بالبرتقالي والأحمر نظرا لأن مادة النيون تنتج هذين اللونين.

وعلى سبيل المثال، يستخدم صانعو النيون ثاني أكسيد الكربون لصناعة اللون الأبيض، والزئبق للأزرق. وقد اعترف كلود في ذلك الوقت بأن النيون لم ينتج اللون المثالي للمصباح الكهربائي العادي، كما أصر على أنه لا يشكل أي تهديد على مبيعات المصابيح المتوهجة.

وبما أن مصابيح النيون كانت خيارا سيئا للاستعمال بالإضاءة الداخلية فقد كانت مثالية للاستخدام باللافتات التجارية. وتوهجت أول لافتة إعلانية بمصابيح النيون لأول مرة عام 1912، لصالون حلاقة في شارع مونمارتر بباريس. ومنذ ذلك الحين، أصبحت قاعات السينما والنوادي الليلية تستخدم هي الأخرى لافتات النيون.

وذكرت الكاتبة بأنه بعد عقود من الزمن، تحولت ألوان النيون النابضة بالحياة -التي كانت موجودة على أسطح المباني- إلى لافتات إعلانية للشركات، حيث كانت تظل مضاءة طيلة أيام الأسبوع وعلى مدار 24 ساعة. وظهرت اللافتات الإعلانية المصنوعة من مصابيح النيون لأول مرة بالولايات المتحدة وتحديدا لوس أنجلوس، حيث قامت شركة "باكارد للسيارات" بوضع إشارتين ضخمتين تضيئان بالأزرق والبرتقالي وتحملان اسم الشركة، لكنهما تسببتا في وقف حركة المرور لأنهما صرفتا انتباه سائقي السيارات.

وأشار دي ميراندا إلى أن الشركات لم تكن الوحيدة التي ساهمت في انتشار لافتات النيون ونشر رسالتها بشكل فعال. فبحلول 1950، باتت لافتات النيون تستخدم أكثر لأغراض سياسية. وبهذا الصدد، كتب دي ميراندا "فترة الستينيات، عمدت دول الاتحاد السوفياتي إلى وضع لافتات نيون في عواصم الكتلة الشرقية لمحاكاة المدن الكبرى للدول الرأسمالية. ونظرًا لأن المتاجر كانت نادرة بالعاصمة البولندية وارسو، فإنها لم تتردد في إضاءة واجهاتها بلافتات النيون عوضا عن استخدام الملصقات أو اللافتات العادية".

وأوردت أن دي ميراندا يدرك جيدا أن القرن العشرين هو قرن النيون، حيث كتب أنه "منذ ذلك الحين، شهدت أضواء النيون على عديد التحولات التي حددت ملامح العالم الذي نعيشه اليوم". علاوة على ذلك، استخدم بعض الفنانين المعاصرين أضواء النيون في منحوتاتهم، على غرار الفنانة البريطانية ترايسي إمين، وبروس نومان الذي كتب اسمه باستخدام أنابيب من النيون.

وتوجد الأعمال والتصاميم الفنية المصنوعة من أضواء النيون مع العديد من التحف والآثار التي تعود لعصور أقدم. وفي الأثناء، ستظل لافتات النيون متوهجة من داخل المتاحف على غرار متحف نيون لايت للفنون بكاليفورنيا ومتحف نيون لايت في لاس فيغاس.

المصدر : الجزيرة