لا تقتصر على الغرب.. الإسلاموفوبيا بالمجتمعات المسلمة

عمران عبد الله

في العقد الماضي، أجريت دراسات مستفيضة عن الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية التي يشكل المسلمون فيها أقلية، ومع ذلك فإن الإسلاموفوبيا أو العنصرية المعادية للمسلمين لا تقتصر على جغرافية الغرب، بل تشكل ظاهرة عالمية تؤثر في المجتمعات الإسلامية بالقدر نفسه أيضا.
 
ويعد كتاب "الإسلاموفوبيا في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة" الصادر حديثا عن دار روتليدج البريطانية محاولة جديدة من نوعها لفتح نقاش حول ظاهرة الخوف من الإسلام في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، بمنهج متعدد التخصصات يتناول الجوانب الاجتماعية والسياسية والتاريخية للظاهرة.

ويحاول الأكاديمي أنس بيرقلي، مدير الدراسات الأوروبية في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية، بالتعاون مع الباحث بجامعة جورج تاون الأميركية فريد حافظ وباحثين آخرين، تقديم تفسير جديد لرهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) لا يعتمد على نموذج "الأغلبية الأقلية" كما هي في الغرب، وإنما على علاقة الأقوياء بالضعفاء داخل المجتمعات المسلمة.

ويوضح الكتاب كيف تلعب العنصرية المعادية للمسلمين دورا مهما في مجتمعات إسلامية أصيلة، وكيف يشارك "رهاب الإسلام" في السياسة العامة للبلدان الإسلامية وأيديولوجية الدولة وعلاقات النخبة مع الجماهير والتوجه الإعلامي السائد.

وتتجلى هذه العلاقة غالبا في استعداء النخب المسلمة المتأثرة بالغرب للجماهير المسلمة المحافظة -بحسب الكتاب- ويرى المؤلفون أن رهاب الإسلام يوجد في صورة عنصرية تقدمها الخطابات التي تستند "للنظرة الأوروبية المركزية للعالم".

وينظّر الكتاب لكون رهاب الإسلام في العالم الإسلامي والإسلاموفوبيا في الغرب ينبعان من أيديولوجية إبستمولوجية (مذاهب معرفية) ذات خلفيات متماثلة، ومع ذلك هناك اختلافات تستند إلى العوامل التاريخية والاجتماعية والديمغرافية والسياقات السياسية للمجتمعات كذلك، ويدلل الكتاب على ذلك بالعديد من الدراسات الحالية في مختلف الدول ذات الأغلبية المسلمة.

ويركز الكتاب كذلك على الدور الحاسم الذي تلعبه القوى الاستعمارية حتى يومنا هذا، إذ يستخدم رهاب الإسلام لتعزيز قوة مجموعة مهيمنة من الناس الذين يطمحون للحفاظ على استقرارهم وتوسيع قوتهم، فيلجأون لكبش فداء -حقيقيا كان أو مخترعا- ثم يجري استبعاد كبش الفداء من الموارد والحقوق وإقصاؤه من الانتماء "لنا" ونفيه "عنا".

صناعة "رهاب الإسلام"
يجري إنشاء "رهاب الإسلام" عن طريق بناء هوية "إسلامية" ثابتة ووصمها بعبارات سلبية وتعميمها على جميع المسلمين، وبخاصة المعارضون للأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية، إذ يتسنى للأنظمة اتباع هذا الأسلوب لتأديب وتحجيم الجماعات الإسلامية التي تشكل تهديدا للنخب الحاكمة والتيارات المهيمنة على السلطة، بحسب الكتاب.

ويهدف هذا النمط من الإسلاموفوبيا في المجتمعات الإسلامية لتقويض أركان الهوية الإسلامية المميزة التي تستفيد منها التيارات الإسلامية التي تعارض النخب الحاكمة المتأثرة بالغرب، حسب المؤلفين.

مجلة شارلي إيبدو من المنابر الإعلامية الغربية التي اشتهرت برسومات الكاريكاتير المسيئة للإسلام (مواقع التواصل)

وفي الفصل الأول بعنوان "فهم الإسلاموفوبيا في المجتمع الإسلامي" يناقش الأساليب المختلفة التي تتيح لنا التعرف إلى الإسلاموفوبيا في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، ويجادل بأن النظر إلى رهاب الإسلام يجب أن يتم من خلال عدسات عالمية تشتمل على مفاهيم العنصرية المعرفية والعلمانية المعادية للمسلمين.

ويستخدم الكتاب مصطلحي "الاستشراق الذاتي" و"التغريب الذاتي" لشرح كيف يتعامل بعض أفراد المجتمعات الإسلامية مع هويتهم وتقاليدهم وتصوراتهم للعالم من خلال نظرة غربية هي الاستشراق الغربي الذي يولد "الكراهية الذاتية للمسلمين".

ولا يتجذر المفهوم الأخير فقط في الاستعمار، ولكن بشكل عام في المواجهة مع الغرب العلماني الحديث القوي منذ مطلع القرن التاسع عشر.

وفي الفصل الثاني المعنون "رهاب الإسلام في الدول ذات الأغلبية المسلمة: بناء الدين والسياسة الخارجية" كتبه حاتم بازيان من جامعة كاليفورنيا، يستند النقاش إلى تأملات طلال الأسد النقدية للعلمانية.

ويبدأ حاتم بازيان فصله من خلال اقتراح تاريخ متميز تركزت فيه فكرة الإسلاموفوبيا في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، وهو تاريخ نشأة رهاب الإسلام من قبل المستعمرين والخطابات المهيمنة في أوروبا التي يعود تاريخها إلى أواخر القرن الثامن عشر، وبعد رحيل الاستعمار استخدمت نخب ما بعد الاستعمار الخطاب نفسه.

وفي الفصل الثالث بعنوان "رهاب الإسلام في الألبانية المعاصرة" يستكشف ريزارت بيكا من جامعة جورج تاون الطرق التي يتجلى فيها الخوف من الإسلام في الخطاب العام الألباني ما بعد الشيوعية.

يتتبع الفصل مدى استخدام المثقفين الألبان نماذج عالمية تشتمل على رهاب وكره الإسلام، مثل نظرية صراع الحضارات لهنتنغتون، وفكرة "الفاشية الإسلامية" أو سردية "الهوية اليهودية-المسيحية الأوروبية" لتطبيقها على السياق الألباني.

وفي الفصل الرابع بعنوان "ما بعد الاستعمار، الأسلمة والنخب العلمانية" يتتبع سيد فوروخ زاد علي شاه الإسلاموفوبيا في باكستان، ويتناول طريقة تأثر النخب العلمانية بالابتسمولوجيا الغربية والحداثة العلمانية، بما فيها التحيزات المضادة للإسلام في السياق الباكستاني.

ووفقا للمؤلف جرى توظيف الإسلام في باكستان بحماس شديد من قبل مؤسسة الدولة، لتطوير الأسس الأيديولوجية لنظام ما بعد الاستعمار.

وفي الفصل الخامس يحلل علي أصلان من جامعة ابن خلدون "سياسات رهاب الإسلام في تركيا"، معتبرا أنها كانت مركزية في بناء واستنساخ دولة قومية حديثة في الجمهورية التركية.

مسلمون يؤدون الصلاة في إحدى ضواحي سيدني بأستراليا (غيتي إيميجز)

ويعتقد المؤلف أن بناء الإسلام والمسلمين باعتبارهما عدوا في مخيلة النظام الحديث العلماني المنشأ، جاء لإخراج الدين من دائرة التأثير السياسي وفقا لأصلان وخاصة في سياق حلول الجمهورية التركية ذات الصبغة العلمانية القومية محل الإمبراطورية العثمانية.

لكن هذا التوظيف لرهاب الإسلام أنتج نظاما سياسيا استبداديا وغربيا في الوقت ذاته، وهو ما عارضته الكتلة الديمقراطية التي شملت الجماهير المتدينة المحافظة والشخصيات البارزة في أعقاب حقبة الأربعينيات التركية. 

ونتيجة لهذا فإن القرن الجديد شهد انتهاء الصراع بانتصار القوى الديمقراطية ونجاحها في تفكيك الوصاية الكمالية للبيروقراطية التركية منذ الألفينات. 

واشتمل الفصل السادس بعنوان "رهاب الإسلام في المجلات الساخرة" على تحليل ومقارنة طبيعة الرسوم الكاريكاتورية المعادية للإسلام بين مجلة تركية تدعى "بنغوين" (Penguen)، ومجلة شارلي إيبدو الفرنسية، مسلطا الضوء على القواسم المشتركة بين المجلتين والاختلافات بين رهاب الإسلام في المجتمعات الغربية والإسلامية من خلال المقارنة.

وفي الفصل السابع أجرى ماي كوسبا -من اتحاد اللاهوت العالي في بيركلي- مناقشة بعنوان "رهاب الإسلام المتناقض وما بعده: القومية الثقافية الاستعمارية في مصر ما بعد الثورة".

وركز كوسبا على السنوات التي أعقبت ثورة مصر (25 يناير) عام 2011 وهي المرحلة التي شهدت فيها البلاد تصاعدا في شيطنة الإخوان والإسلاميين، مؤكدا أن الحكومة المصرية الحالية وحلفاءها عمدوا لتوليد الخوف من الإسلاميين عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية الرسمية، وأدى تصاعد ذلك إلى موجة من الخوف من الإسلام، وسياسات وإجراءات مألوفة في سياق مشابه للإسلاموفوبيا في الغرب. 

وفي الفصلين الثامن والتاسع بعنوان "العلمانية والإسلاموفوبيا في مصر" ناقشت دينا عبد القادر -من جامعة هارفارد- جذور الليبرالية الغربية وجذور الإخوان المسلمين في مصر، وتناولت سحر الزاهد -من جامعة كاليفورينا- "رهاب الإسلام في الإعلام المصري" وسلطت الضوء على أشكال الاستشراق في الإعلام وبين المثقفين العلمانيين وصناع القرار في مصر مستخدمةً مفهوم "الاستشراق الذاتي".

وفي الفصل العاشر بعنوان "التقاء العرق والدين" يتناول محمد نواب عثمان رهاب الإسلام في ماليزيا من خلال دراسة الهيكل التاريخي والمعاصر للضغوط والعوامل التي أدت لظهور الإسلاموفوبيا في البلاد ذات الغالبية المسلمة.

ويرى عثمان أن رهاب الإسلام يتزايد في ماليزيا ويجب فهمه من منظور العنصرية والتحيزات الثقافية والعرقية ضد سكان الأغلبية الملاوية المسلمة.

وفي الفصل التالي تناول جمال محمد -من جامعة صباح الدين زعيم التركية- رهاب الإسلام في أثيوبيا وقال إنه تصاعد عبر التغييرات التشريعية والممارسات المؤسسية تجاه المسلمين الأثيوبيين.

وفي الفصل الأخير "رهاب الإسلام من الداخل: دراسة حالة على النساء المسلمات الأستراليات" استكشفت المؤلفتان أشكال الإسلاموفوبيا داخل المجتمع المسلم في سيدني وحاولتا فك التقاطعات بين رهاب الإسلام الإسلامي الداخلي والخارجي، وأعطى الفصل صوتا مسموعا للنساء المسلمات الأستراليات للتعبير عن معاناتهم، في سياق أوسع من مجرد كونهم أقلية. 

وبالمجمل سعى الكتاب من خلال دراسة مرجعية لإلقاء نظرة ثاقبة على مختلف جوانب الخوف من الإسلام في سياقات الأغلبية المسلمة، محاولا فتح الباب أمام مزيد من الدراسات التالية.

المصدر : الجزيرة