بيت "بن جلمود" في الدوحة.. الرقيق مروا من هنا

بيت بن جلمود من الداخل
بيت "بن جلمود" كان محطة لبيع الرقيق في قطر أواسط القرن العشرين (الجزيرة نت)
نامت ليلتها آمنة مطمئنة في بيتها بإحدى قرى الشرق الأفريقي، لكنها لم تدرك أن تلك الليلة كانت آخر ليالي الحرية، حين استيقظت على بنادق الغزاة لتبدأ بعدها رحلة معاناتها مع العبودية التي فرّقتها عن زوجها وولدها.

أيام عديدة سارتها تلك المرأة وعائلتها مع مجموعة بشرية في طوابير مقيدين بالسلاسل، حتى وصلوا مدينة "كيلوَا" على الساحل الجنوبي لتنزانيا، أحد مراكز تجميع الرقيق في القرن العشرين، ليتم "شحنهم" إلى مدينة زنجبار التنزانية، ولتمضي بأغلال العبودية في رحلة جديدة إلى المجهول.

في زنجبار بيعت هي وولدها لأحد تجار الرقيق الذي ساقها إلى مسقط العُمانية، بعدما أُخذ زوجها إلى وجهة عبودية أخرى لا تعرفها. ومن مسقط بيعت -مع ما يباع ويشترى- لرجل من العاصمة القطرية الدوحة، حتى انتهى بها المطاف في بيت التاجر "بن جلمود".

قصة تلك المرأة -التي لم يفصح عن هويتها- جزء من قصة بيت "بن جلمود" في قلب الدوحة، الذي كان سوقا لبيع الرقيق في قطر أواسط القرن العشرين، وحولته بعد ذلك الحكومة القطرية إلى متحف لتوثيق قصة الرق في العالم عموما ومنطقة الخليج خصوصا، وإبراز آثار سياسة الاندماج التي انتهجتها الدولة وذابت بها الفوارق بين كافة الطبقات.

غرفات المنزل المختلفة تحولت إلى صالات عرض لتاريخ الرقيق في الخليج(الجزيرة نت)غرفات المنزل المختلفة تحولت إلى صالات عرض لتاريخ الرقيق في الخليج(الجزيرة نت)

يسجل المتحف قصصا أخرى تتشابه في معاناتها وتفاصيل آلامها، كما تتحدث شخصيات ما زالت على قيد الحياة عن معاناة آبائهم وأجدادهم في الرق، لتروي أن الرق من أسوأ ما تاجر به البشر على مر التاريخ.

يأخذك متحف "بن جلمود" في رحلة ممتدة عبر الزمن، إلى التاريخ التجاري الذي ربط بين أفريقيا والخليج والهند وشرق آسيا، وعبر طريق الحرير البحري الذي كان أحد أهم طرق التجارة في منطقة المحيط الهندي والخليج، انتقلت عبره بضائع وبشر -أحرارا ورقيقا- كجزء من التبادل التجاري وتطوره بين أقاليم هذه المنطقة.

في أوائل القرن العشرين كانت قطر كيانا قبليا محدود الموارد يعتمد على تجارة اللؤلؤ والتمور، وكان الطلب العالمي متزايدا على المورد الأول، مما زاد الحاجة إلى قوة بشرية من العبيد كان الغوص لصيد اللؤلؤ أهم أعمالهم، حيث تتجاوز قيمة ما ينتج منه في الخليج -آنذاك- ما يتم إنتاجه في دول العالم.

كان الرقيق يُجلبون غالبا من أفريقيا وبعضهم من الهند، ويمكثون ثلاثة أعوام على الأقل في الساحل العُماني حيث يُعرّفون بالواجبات المفروضة عليهم إلى جانب تعليمهم اللغة العربية، قبل بيعهم إلى مالكيهم على شواطئ الخليج. وقد بلغ عدد سكان القبائل القاطنة في قطر آنذاك نحو 27 ألفا، بينهم 6500 من أصول أفريقية، منهم نحو 4500 من الرقيق.

العديد من العائلات القطرية كانت تملك عبدا واحدا أو أكثر(الجزيرة نت)العديد من العائلات القطرية كانت تملك عبدا واحدا أو أكثر(الجزيرة نت)

ويوضح متحف "بن جلمود" أن سجلات تعويض مالكي الرقيق العائدة إلى عام 1952، تظهر أن العديد من العائلات القطرية كانت تملك عبدا واحدا أو أكثر.

كما كان امتلاك الرقيق يعني امتلاك شخص يشارك في تحمل أعباء العمل مع سيده، بينما ارتبط امتلاك الرقيق بمظهر من مظاهر الثراء عند فئة صغيرة من السكان، حيث عاشوا إلى جانب أسيادهم الملزمين بإطعامهم وكسوتهم وإيوائهم، وفي بيوت الطبقة المتوسطة كانوا يُعامَلون كأحد أفراد الأسرة، وتشرّب بعضهم الثقافة القطرية. إلا أن سوط العبودية كان معلقا على رقابهم، ففي أي لحظة يمكن أن يباعوا ويشتروا دون سابق إنذار.

تولى الرقيق عادةً الأعمال اليدوية الشاقة كما كانت طبيعة الحياة الصحراوية، فقد كانوا يجمعون الحطب من مناطق بعيدة ويحضرون المياه النقية الصالحة للشرب من مسافات طويلة، بالإضافة إلى أعمالهم الرئيسية في الغوص تحت الماء بحثا عن اللؤلؤ.

قسم خاص للتعريف بالحمض النووي الذي يشترك فيه جميع البشر رغم فرادة كل واحد منهم(الجزيرة نت)قسم خاص للتعريف بالحمض النووي الذي يشترك فيه جميع البشر رغم فرادة كل واحد منهم(الجزيرة نت)

انهيار صناعة اللؤلؤ
كان للركود الذي أصاب الاقتصاد العالمي في ثلاثينيات القرن العشرين أثره على تجارة اللؤلؤ التي انهارت في قطر والخليج، وتسببت في خسائر كبيرة لدى الأسر، مما حدا ببعضهم إلى عتق عبيدهم والتخلص من مؤونة توفير المأوى والمأكل لهم. كما شهدت قطر هجرة جماعية إلى الخارج، حتى وصل عدد سكانها إلى 16 ألف نسمة فقط بحلول العام 1940. وفي تلك الفترة، زادت معاناة الرقيق فسعى عدد منهم للفرار واللجوء إلى استصدار شهادات الحرية من الوكالة السياسية البريطانية المقيمة في البحرين.

أراد البريطانيون تأمين الخليج كقناة تجارية مهمة تصل بريطانيا بمقرها في بوشهر (فارس)، وكذلك بينها وبين الهند، فسعوا لإيقاف القرصنة وتجارة الرق. وإلى جانب ذلك، ساهمت تطورات داخلية في تحسين ظروف الرقيق، حيث بدأت موجة التحديث السياسي، وتغيرت مصادر الثروة الاقتصادية مع اكتشاف النفط والغاز، وأصبحت الدولة قادرة على تعويض ملاك الرقيق الذين عمل عدد منهم في شركات النفط الجديدة.

وقد أثارت شركات النفط مخاوف لدى الوكالة السياسية البريطانية حول وجود رقيق يعملون لصالحها، فدخلت الحكومة البريطانية والشيخ علي بن عبد الله بن جاسم آل ثاني في مفاوضات عام 1951 حتى توصلا إلى وثيقة إلغاء الرق نهائيا بقطر في أبريل/نيسان 1952، واستعاد الرقيق حريتهم.

وفي العام 1961 صدر قانون الجنسية الجديد الذي منح حق المواطنة للذين أقاموا في البلد منذ ثلاثينيات القرن الماضي، مما شكل لحظة فارقة للمئات من الرقيق في ذلك الوقت.

وفي لفتة بعيدة وعميقة في ذات الوقت، يأخذك المتحف في "رحلة إلى نواة الحياة"، حيث يعرّف في قسم منه بالحمض النووي (دي.أن.أي) الذي يشترك فيه جميع البشر رغم فرادة كل واحد منهم، مما يساعدهم في فهم أصولهم، وإدراك أثر مساهمة حركات الهجرة على مدى مئات السنين في إثراء الثقافة القطرية من جميع النواحي.

متحف متحف "بن جلمود" شاهد على حقبة مهمة في تاريخ قطر والخليج(الجزيرة نت)

ورغم أن الرق أصبح مجرّما في كثير من القوانين والأعراف، فإن المتحف يبرز أشكالا جديدة ظهرت "للرق المعاصر"، تندرج معظمها فيما يسمى "الاتجار بالبشر" الذي يقدر ضحاياه بنحو 27 مليون نسمة حول العالم.

وإذا كان الرقيق استخدموا خلال القرون الماضية في أعمال الزراعة والصناعة، فإن "الرق المعاصر" يستخدم 2.5 مليون من البشر في أعمال قسرية، كاستخراج الذهب والعمل في مناطق التعدين بأفريقيا، التي تمثل مصدرا أساسيا للكثير من المواد المستخدمة في صناعة الهواتف الذكية والحواسيب وغيرها من الصناعات التقنية، بالإضافة إلى صور استغلال عمالة الأطفال والاستغلال الجنسي.

لم يكن سهلا محو آثار تلك الحقبة التي مر بها الرقيق في الخليج، لكن مقاومة العنصرية بالاندماج والمساواة أثبتت أن مختلف الشعوب والطبقيات التي مرت من هنا انصهرت وتركت آثارا لا تزال ماثلة للعيان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تواجه “غوراي” أو “جزيرة العبيد” السنغالية جملة من التحديات البيئية و المناخية، أبرزها تآكل شواطئها بفعل زحف أمواج المحيط الأطلسي، ومخاطر التلوث البيئي. وقد تعهدت قطر بالمساهمة في حمايتها.

30/5/2013

يستضيف المتحف العربي للفن الحديث بالدوحة “متحف” حاليا عرضا خاصا للعمل التركيبي “سماوات عادلة” للفنان الكندي العراقي الأصل محمود عبيدي يطرح موضوع التنميط العنصري وما ينطوي عليه من تمييزات.

25/9/2016
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة