160 عاما على قناة السويس.. هل حفرها المصريون بنظام السخرة أم بالآلات؟

عمال مصريون يحفرون قناة السويس يدويا (مواقع إلكترونية)
عمال مصريون يحفرون قناة السويس يدويا (مواقع إلكترونية)

عمران عبد الله

لم يكن حلم الوصل بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط جديدا، ولم يولد في العصور الحديثة مع مجيء الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، بل بدء منذ نهاية العصر الحجري الحديث في الشرق الأدنى، أي منذ أكثر من 5000 عام.

أرادت المجتمعات القديمة أن ترتبط حضارات شرقي آسيا مع تلك الموجودة في أوروبا والشرق الأدنى والأوسط، وكانت أولى المحاولات لتخطي الحواجز الطبيعية هي إنشاء طريق الحرير الذي استمر منذ العصور القديمة وحتى العصور الوسطى، ونقل الأشخاص والأفكار والبضائع بين الشرق والغرب طيلة قرون طويلة.

لكن الرحلة عبر وسط آسيا كانت طويلة للغاية وصعبة وخطيرة، وبحلول القرن الخامس عشر اكتشف الأوروبيون تقنيات جديدة جعلت السفر لمسافات طويلة عبر البحر ممكنا، وبلغت ذروتها برحلة البرتغالي فاسكو دا غاما حول أفريقيا في 1497 والتي اكتشفت طريق رأس الرجاء الصالح.

وفي القرون التالية لرحلة رأس الرجاء الصالح، أصبح كلّ من طريق الحرير ورأس الرجاء الصالح مسارين عفا عليهما الزمن، وبعد غزو مصر عام 1798 أرسل القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت فريقًا من مهندسي المساحة لبحث جدوى حفر برزخ السويس وفتح قناة من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط.

لكن بعد أربع رحلات منفصلة إلى المنطقة، خلص كشّافوه بشكل غير صحيح إلى أن البحر الأحمر كان أعلى بعمق 30 قدمًا من البحر الأبيض المتوسط، وحذروا من أن أي محاولة لإنشاء قناة يمكن أن تؤدي لفيضانات كارثية عبر دلتا النيل.

كانت الحسابات الخاطئة للمساحين كافية لإخافة نابليون بشأن المشروع، وتوقفت خطط لإنشاء قناة حتى عام 1847، عندما أكد فريق من الباحثين أخيرًا أنه لا يوجد فرق كبير في الارتفاع بين البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر.

وبدأت جهود إحياء الحلم القديم بالسفر عبر برزخ السويس في مصر لتوفير كمية هائلة من المال ووقت كبير، ويوم 25 أبريل/نيسان 1859 دشن المهندس الفرنسي دي لسبس حفر القناة في عهد الخديوي سعيد، وانتهى العمل بها بعد عشر سنوات في عهد الخديوي إسماعيل ليتحقق حلم القدماء بربط البحرين، وهو الحلم الذي تطلّب محاولات عدة لتحقيقه منذ العصور القديمة.  

وإذ تطلب حفر قناة السويس قوة عاملة ضخمة، فقد وفرت الحكومة المصرية في البداية معظم العمالة من خلال إجبار الفقراء على العمل مقابل أجر رمزي وتحت التهديد. وابتداءً من أواخر عام 1861، استخدم عشرات الآلاف من الفلاحين المعاول والأدوات التقليدية لحفر الأجزاء الأولى من القناة يدويًا.

وكان التقدم في المشروع بطيئًا للغاية، وتعطل المشروع بعد أن حظر الحاكم المصري إسماعيل باشا بشكل مفاجئ استخدام السخرة عام 1863، لكن في مواجهة النقص الحاد في العمال، غيّرت شركة دي ليسبس وشركة قناة السويس خطتهما وبدأتا في استخدام مئات من المعدات الثقيلة والحفارات التي تعمل بالبخار، ووفرتا التكنولوجيا الجديدة للمشروع وما يحتاجه، واستمرت الشركتان في تحقيق تقدم سريع خلال العامين الأخيرين من الحفر.

أسلاف السويس.. القنوات غير المباشرة
كانت القنوات السابقة تربط البحر الأحمر بالنيل الذي يصب في البحر المتوسط عبر فرعي دمياط ورشيد، لكن لم تكن هناك قناة مباشرة بين البحرين الأحمر والأبيض، مما اضطر السفن إلى الإبحار على طول النهر في رحلتها من أوروبا إلى الهند.

ويعتقد أن القناة الأولى قد حُفرت في عهد سنوسرت الثالث في الألفية الثانية قبل الميلاد، وهناك من ينسبها لتحتمس الثالث، وتوجد أدلة أكثر قوة تروي قيام الفرعون نخاو (القرن السادس قبل الميلاد) بحفر القناة.

وربما يعود الالتباس في معرفة بداية حفر القناة لاختلاط جهود حفرها بجهود تجديدها وإعادة افتتاحها، كما تغيّرت أسماؤها مرات عدة وشملت قناة سيتي الأول، وقناة دارا الأول، وقناة بطليموس الثاني، وقناة ترجان الروماني وحتى قناة أمير المؤمنين بعد الفتح الإسلامي لمصر.

وخلال الغزو الفارسي لمصر، أمر الملك داريوس الأول بإكمال القناة، لتصبح قناة البحر الأحمر مكونة من جزءين: الأول الذي يربط خليج السويس بالبحيرة العظمى، والثاني الذي يربط البحيرة بواحد من فروع النيل في الدلتا. وظلت القناة في حالة جيدة خلال العصر البطلمي، لكنها تدهورت وأصبحت بحالة سيئة بعد ذلك، وأعيد حفرها في عهد الإمبراطور الروماني تراجان، ثم جرى إحياؤها خلال إدارة عمرو بن العاص لمصر.

وفي القرن الأول قبل الميلاد، قام العالم الجغرافي اليوناني "سترابو" بوصف قناة تمتد من النيل وحتى البحر الأحمر عند مدينة أرسينوي أو "كليوباتريس" (السويس الحالية) وتتدفق حتى البحيرات المرة، وذكر الجغرافي اليوناني أن داريوس الأول اقتنع خطأ بأن البحر الأحمر أعلى من البر المصري، وهو ما جعله يتخلى عن فكرة القناة بعد أن كان على وشك الانتهاء منها، لأنه ظن أنه إذا قطع البرزخ المواجه للبحر فسيغمر الماء أرض مصر.

وأصبحت القناة التي ترتبط البحر الأحمر بالنيل مهمة لزيادة التجارة بين مصر والشرق، لكنها لم تفيد كثيرا بالنسبة للتجارة بين أوروبا وآسيا.

وربما لأنه لم يوجد حافز كبير لحفر قناة على طول المسار الحالي، فلم يجر التفكير جدياً في المشروع من قبل الفراعنة، وعوضا عن ذلك وفرت قناة النيل بديلا، وبما أنها احتوت على قدر كبير من الطمي فقد تطلب القيام بالتجريف المستمر والمكلف للقناة للحفاظ عليها، كما جرى تطهيرها من الرمال وحماية حوافها من سقوط التربة المحيطة.

وتطلب الأمر قروناً قبل أن تعاد الصلة بين البحرين، وبين الشرق والغرب، عبر قناة السويس التي وفرت نحو 15 يوما من السفر عبر رأس الرجاء الصالح.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية