المسلمون والمسيحيون بسريلانكا.. تعايش ببلاد البوذ والهندوس

جانب من الدمار الذي تعرضت له كنيسة سانت سيباستيان جراء الهجوم (الأناضول)
جانب من الدمار الذي تعرضت له كنيسة سانت سيباستيان جراء الهجوم (الأناضول)

عمران عبد الله 

طالبت جمعية العلماء الإسلامية في سريلانكا المسلمين أمس بأداء صلاة الجمعة في المنازل، في الوقت ذاته الذي ناشد الكاردينال مالكوم رانجيث القساوسة عدم إقامة أي قداس بالكنائس إلى أن تستتب الأوضاع الأمنية بعد الهجمات الدامية التي ضربت البلاد في عيد الفصح وأودت بحياة أكثر من ثلاثمئة من الأبرياء وإصابة أكثر من أربعمئة.

واستهدفت سلسلة تفجيرات انتحارية ثلاث كنائس -اثنتان منها كاثوليكية- وثلاثة فنادق يوم أحد الفصح. وعقب الهجمات، احتدمت التوترات الطائفية خلال الأيام الماضية، وبينما كان مشيعون مسيحيون يدفنون أشلاء ذويهم الذين قتلوا كان مئات اللاجئين المسلمين يفرون من بلدة نيجومبو المتعددة الأعراق على الساحل الغربي للبلاد التي لم يسبق فيها حدوث توترات بين المسلمين والمسيحيين.

وتعد غالبية شعب سريلانكا من البوذيين (السنهاليين) ثم تأتي بعدهم أقلية الهندوس (تاميل) تليها أقلية المسلمين التي تقدر نسبتها بنحو 10%. أما المسيحيون فيعدون 7% من أصل تعداد سكاني قدره 21 مليون نسمة.

التفجيرات الأخيرة قد تغير الكثير من خطوط التوتر بالجزيرة التي صنفت كثالث أكبر دولة متدينة في العالم، وفقا لاستطلاع غالوب 2008. وكان تاريخ المجموعات العرقية والدينية في سريلانكا كان متوترا للغاية، وعام 2009، انتهت الحرب الأهلية التي استمرت عشرات السنين بهزيمة نمور تحرير تاميل إيلام.

وخلال أعمال العنف لجأت جبهة نمور تحرير تاميل إيلام في كثير من الأحيان إلى التفجيرات الانتحارية، لكن ليس ضد المسيحيين الذين كان جزء منهم يقاتل مع نمور التاميل.

خطوط التوتر
تقليديا جرى استهداف العديد من المجتمعات المسيحية، ولدى مسيحيي سريلانكا تاريخ طويل متشابك مع قضايا الاستعمار والتوترات العرقية والدينية، ولم يكن المسلمون والمسيحيون أعداء، إذ كانت الفجوة الحقيقية في البلاد مع البوذيين، لكن هجمات عيد الفصح قد تغير الكثير في بلد يقول 99% من سكانه إن الدين مهم في حياتهم.

وكان الاستعمار البرتغالي هو الذي فتح الباب أمام الكاثوليكية الرومانية في سيلان (الاسم القديم لسريلانكا) في مطلع القرن السادس عشر وتدخلهم لاحقا في صراعات الخلافة في الممالك المحلية.

ومن بين أولئك الذين تحولوا للمسيحية دون خوان دارمابالا، ملك كوت، وهي مملكة صغيرة بالقرب من كولومبو الحالية على الساحل الجنوبي الغربي لسريلانكا، وعرف عن البرتغاليين قيامهم بتنصير قسري للسكان التاميل، وتزامن مع تدمير عدد من المعابد الهندوسية.

في وقت لاحق، عندما قامت شركة الهند الشرقية الهولندية بتهجير البرتغاليين، تم إحياء الكاثوليكية الرومانية من خلال جهود القديس جوزيف فاز الذي كان كاهنا من جوا (مستعمرة البرتغال بالهند) ووصل لسريلانكا عام 1687. ويعزو الفولكلور المشهور إلى فاز عددا من المعجزات، مثل جلب المطر أثناء الجفاف وترويض فيل مارق، مما جعل فاز قديسا عام 2015.

وكان التبشير المسيحي معروفا بالشراسة والحدة مما شجع بالمقابل تطوير خطابين دينيين هندوسي وبوذي أكثر تطرفا داخل الجزيرة.

وبعد أن استولت بريطانيا على الجزيرة وطردت الهولنديين، وضع البريطانيون نظاما تعليميا عبر الإدارة الاستعمارية والكنيسة الإنجليكانية، وسعوا لتهميش التعليم البوذي التقليدي، مما أضعف مكانة الرهبان البوذيين داخل المجتمع السنهالي وولد الاحتقان لدى الطائفة السنهالية البوذية.

وفضّل البريطانيون التاميليين على السنهاليين، وهي السياسة التي ولدت إرهاصات الحرب الأهلية المبكرة.

بحلول عام 1948 عندما حصلت سريلانكا على الاستقلال عن بريطانيا العظمى، كان الكاثوليك قد أسسوا هوية مميزة. على سبيل المثال، يعرض الكاثوليك العلم البابوي مع العلم الوطني لسريلانكا خلال احتفالات يوم الاستقلال.

لكن التوترات ازدادت عام 1960 عندما هددت الحكومة السريلانكية استقلال الكنيسة الكاثوليكية عن طريق تولي مدارس الكنيسة .

عام 1962، وقعت محاولة انقلاب من قبل ضباط بالجيش من الكاثوليك والبروتستانت للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء آنذاك سيريمافو باندارانايكي، ردا على الوجود البوذي المتزايد في الجيش.

الحرب الأهلية
أدت الحرب الأهلية -التي بدأت عام 1983 واستمرت 25 عاما- إلى تقسيم المجتمع الكاثوليكي.

خاضت جبهة نمور التاميل إيلام الحرب ضد الحكومة وسعت لدولة منفصلة لمجتمع التاميل بالأجزاء الشمالية والشرقية من الجزيرة. وضمت الجبهة متمردين من الكاثوليك ذوي المناصب العسكرية، ولكن كان للجيش السريلانكي أيضا أعضاء مسيحيون يشغلون مناصب قيادية.

لم يتمكن الأساقفة الكاثوليك من مناطق التاميل والسنهاليين من تطوير موقف متماسك من النزاع. ولم ينجحوا حتى في الاتفاق حتى على التوصية بوقف إطلاق النار خلال موسم عيد الميلاد .

وشهدت السنوات الأخيرة ظهور أشكال متشددة من البوذية، وكان المسيحيون من بين أهدافها. على سبيل المثال طالبت المنظمة البوذية القومية المتطرفة بودو بالا سينا (المعروفة أيضا باسم القوى البوذية) بأن يعتذر البابا عن "الأعمال الوحشية" التي ارتكبتها القوى الاستعمارية.

وتتمتع الكاثوليكية بوجود ثقافي قوي بما في ذلك موقع حج مسيحي مخصص للسيدة مريم زاره البابا عام 2015، ويوجد مركز شفاء وصلاة معروف عالميا بـ كوداجاما شمال غرب مدينة كاندي المقدسة البوذية.

البروتستانت الأقل عددا
في المقابل، يعد مجتمع البروتستانت صغيرا جدا ويمثل 1% فقط من سكان الجزيرة. ومثل الكاثوليكية، أتى للبلاد المبشرون بالبروتستانتية من خلال الاستعمار الذي وفر لهذا المذهب موطئ قدم بالجزيرة، ومع التجار الهولنديين والمسؤولين الحكوميين جاء المبشرون الكالفانيون والبروتستانت الذين نشطوا بالمناطق الساحلية في سريلانكا.

وفي حين انخفضت البروتستانتية في ظل الحكم الاستعماري البريطاني، كان هناك انتعاش بالمناطق الشمالية الناطقة بالتاميلية في الجزيرة. وبدأت بعثة سيلان الأميركية عام 1813 وأنشأت عددا من المستوصفات والمدارس الطبية بينها كلية جافنا التي افتتحت عام 1872، ولا تزال مؤسسة تعليمية بروتستانتية مهمة ذات روابط مع أميركا.

وبشكل عام فإن الكنائس بالبلاد عبارة عن هياكل جميلة على طراز عصر النهضة والباروك، وهي مراكز نشاط على مدار اليوم، وخلال الأعياد ومراسم العبادة ترتدي النساء النقاب كما كان التقليد الكاثوليكي بالغرب حتى منتصف القرن العشرين.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية