اشتهر بعد إلقائه قصيدة أمام صدام.. الموت يغيّب الشاعر العراقي خضير هادي

اشتهر بعد إلقائه قصيدة أمام صدام.. الموت يغيّب الشاعر العراقي خضير هادي

بعد رحلة طويلة مع تجديد الشعر الشعبي، لم يمت خضير هادي في بغداد كما تمنى (مواقع التواصل)
بعد رحلة طويلة مع تجديد الشعر الشعبي، لم يمت خضير هادي في بغداد كما تمنى (مواقع التواصل)
عماد الشمري-أربيل

"بالغربة ويجيني الصوت

وين أنت اشتهيت الموت

بنص بغداد أريد الموت"

هكذا تمنى خضيّر هادي الموت في العاصمة العراقية التي فاضت صوره الشعرية بالتغني بها وبالوطن وبمشاعر العاشقين الفياضة، قبل أن تعود فترسمه اليوم في أذهان الشعراء ومحبي الشعر بعد سويعات من رحيله إلى مثواه الخير في أحد مستشفيات أربيل شمال العراق، إثر نزيف في الدماغ.

إنه ابن الكرادة الشرقية من بغداد الذي غنى له كاظم الساهر وحاتم العراقي، واستطاع أن يلفت الأنظار إليه منذ تسعينيات القرن الماضي؛ وربما كان لقصيدة "خمسة زائد خمسة" -التي يرثي فيها شهداء العراق في الحرب مع إيران- الدور في شهرته؛ فبعد قراءتها أمام الرئيس الراحل صدام حسين الذي أعاد قراءتها في إحدى جلساته، اكتسب هادي شهرة سلطت الأضواء عليه بشكل لافت حتى ردد الكثير من العراقيين مطلعها الذي قال فيه:

خمسة زائد خمسة عشرة

ثلاثة زائد سبعة عشرة

واحد زائد تسعة عشرة

عشرة زائد واحد عشرة

لأن الواحد استشهد من أجل العشرة

ولو باقي الواحد ما ميت؛ كان ضاع الواحد والعشرة.

التميز والسبق

"كان اللون الشعري الخاص الذي اختاره لنفسه من خلال طريقة الإلقاء الفريدة بمثابة مدرسة جديدة في باحة الشعر الشعبي"؛ هذا ما وصفه به رئيس منتدى شعراء الفلوجة 90 ياسر عليوي الكبيسي، مضيفا أن الراحل كان مشاكسا لاذعا للقصيدة وبطور ونمط ميزه عن أقرانه، كما أنه متمكن من كتابة كل أنواع الشعر الشعبي إلا أنه تميز بـ"الأبوذية" (نمط من الشعر الشعبي).

ويضيف عليوي قائلا "إن هادي بمثابة مجدد للشعر الشعبي من خلال مغامرته بإدخال الفرقة الموسيقية مع القصيدة، فكانت انتقالة وخصوصية رائعة أضفاها للشعر الشعبي، وكان أول تسجيل له عام 1996، وبهذا أعطى طابعا جذب به الكثير نحو الشعر الشعبي، وصار الكثيرون يحفظون له ويرددون مقاطع من قصائده؛ وما زالت -حتى بعد مضي عقود- قصيدة "عليهم" التي تعد إحدى أروع بصماته الشعرية التي لا ينساها عراقي عشق الشعر الشعبي؛ أردد الكثير منها وربما ما جرى على لسان الكثير هو مقطع:

أكبر نار تطفه وتنتهي بلحظات

بس نار الضمير اتشب و لا تبرد

الطيبة تنذكر بس لا تخون القاع

اليزرع أبد ما أريده يتردد

مِن داروا عليّ وانت كنت موجود

صرت سيف وقصيده وما نخيت أحد.. عليهم

ويقول الشاعر المخضرم مقدم البرنامج الشعري الشهير "مضايف أهلنا" إبراهيم مطلق الفرحان إن بصمة التميز لهادي عن الكثيرين ظهوره في فترة لا يقول الشعر فيها إلا الشجعان، فجعلته ظاهرة انتشرت في كل المحافل وسار ذكرها على كل لسان، وتميز بخط شعري يشار إليه بالبنان لجمعه بين السلاسة بالمفردة والبساطة بالأسلوب والقوة بالمعنى.

التمسك بوطنيته

وعن أشعار الراحل الوطنية، يقول مطلق "يوسم الكثير من الشعراء بالتملق بسبب عدم استقرارهم على مبدأ في مدح فئة أو شخصية أو حتى مناهضتهم لموقف ما بسبب سعيهم خلف منافعهم الشخصية؛ لكن هادي أبى ارتداء هذا الثوب، وبسبب مواقفه الوطنية التي لم يجنح بها لدروب الطائفية كما فعل غيره، وبسبب كثرة الطوائف المتنازعة بعد الاحتلال الأميركي، وعدم قبوله الميول لأي جهة سياسية أو مسلحة متمسكا بالحياد والوطنية، نشأ له خصوم اضطروه للهجرة خارج البلاد متنقلا بين سوريا ولبنان والكويت ومصر. مرغما تغرب عن بغداد التي لم تفارق أشعاره". 

تشييع جثمان الشاعر الراحل في بغداد (رويترز)

قيل عن الراحل من بعض الشعراء والنقاد إنه أساء للشعر وخرج من جلال الشعر وهيبته إلى الموسيقى، وإنه عرّض الشعر للابتذال بهذه الصورة؛ لكنه دافع عن نفسه بما استطاع من خلاله إقناع الجميع بالأسباب، وذلك عبر لقاء تلفزيوني أجراه مع مقدم برنامج إضاءات الإعلامي تركي الدخيل، قائلا: "لا، لكن القصيدة كانت تقرأ على المنصات فحسب، فتذهب من الشاعر إلى الشعراء الجالسين وبعض المتذوقين للتفعيلة، ولا وجود للإعلام حينها لنقلها للجمهور، فابتكرت هذه الطريقة، ووجدت رواجا حتى بدأ الكثير لاحقا تقليدها حتى في الوطن العربي".

مثواه الأخير
رحل أحد مجددي مدرسة الشعر الشعبي بعد مسيرة طويلة قضى معظمها في الغربة عن عمر ناهز 57 عاما في المستشفى إثر نزيف في الدماغ، كما صرح نجله سيف قائلا "إن أبي أصيب في فترات ماضية بأكثر من عشر جلطات دماغية خفيفة مرت بسلام بعد أن عين له مختصون سويديون، وإن السبب في كل تردي الوضع الصحي له هو حزنه على فراق بغداد وعلى الوضع الذي يمر به أبناء هذا الشعب، مضيفا أنهم منعوه من متابعة الأخبار التلفزيونية في الآونة الأخيرة لكنه لم يمتنع تماما، وقد حصل ما حصل وفجأة أصيب بنزف حاد بالدماغ توفي على إثره بعد ساعات من الحادث"، خاتما قوله "إنني بعد أبي سأكون خائفا لأنه كان قدوتي وأسوتي".

بالدفاع عن التفعيلة ورغبة إيصال القوافي والأوزان للجمهور والتغني بالوطن ومآسيه بروح وطنية نال الغربة بسببها، بنى الراحل خضير هادي لنفسه قاعدة في قلوب محبي الشعر، ليبقى في ذاكرة العراقيين والنقاد مفروضا بقدراته كمجدد لمدرسة الشعر الشعبي، واسما يعترف به الخصوم والمحبون.

المصدر : الجزيرة