تجليد الكتب بالمغرب.. حرفة تذوي بموت معلميها

تجليد الكتب بالمغرب.. حرفة تذوي بموت معلميها

المعلم بوهادي يعمل قبالة ورشته في تجليد الكتب بالمدينة العتيقة بالرباط (الجزيرة)
المعلم بوهادي يعمل قبالة ورشته في تجليد الكتب بالمدينة العتيقة بالرباط (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط


في الممر المقابل لورشته بشارع الجزاء، أشهر شوارع المدينة العتيقة بالرباط، ينهمك المعلم سيف الدين بوهادي في (تسفير/تغليف) تجليد كتاب قديم وإعادة الروح لشكله الباهت.

يضع بوهادي بحرص شديد الكتاب على آلة ضغط حديدية يطلق عليها "البريسة/المكبس". وبيديه العاريتين، يدير لولبا لتثبيت الجلد بعد إلصاقه بغراء من نوع خاص. يضرب بواسطة "الخفيف" وهي آلة خشبية على ظهر الكتاب لإبراز الأجزاء المحدبة فيه، ثم يشرع في تذهيبه بالاعتماد على ورق الذهب وأداة حديدية محماة على النار.

داخل الورشة التي لا تتجاوز مساحتها الثلاثة أمتار، تتبعثر قطع جلد الماعز بألوان مختلفة، بعضها محلي وآخر مستورد، في حين تتراكم كتب أخرى بعضها فوق بعض في انتظار دورها لإنهاء عمل بدأ ولم ينته. فالمعلم سيف الدين غاب عن محله قرابة شهرين بعد مشاركته في معرض للصناعة التقليدية في أبو ظبي.

ومعه أدوات عمله اليدوية، تنقل بوهادي بين سويسرا وفرنسا وبلجيكا وعدة دول عربية وأوروبية سفيرا لصنعة التسفير (التجليد). ولا يكتفي في جولاته بعرض نماذج من أعماله ومنتجاته التي شكلها بيده، بل يحرص على ممارسة حرفته أمام جمهور المعارض ليتعرفوا عليها عن قرب، ويكتشفوا عالمه الذي أفنى فيه حياته.

أغلفة بعض الكتب التي تم عرضها بمعرض حول الإرث الأندلسي وهي جزء من الخزانة الزيدانية (الجزيرة)

حرفة بلا ورثة
ويقابل فن تجليد الكتب بالمغرب التجليد في المشرق، ويمر بمرحلتين أولاهما جمع أوراق الكتاب وربطها في سفر واحد، وثانيها إعداد غلاف من الجلد وتثبيته ثم زخرفته وتذهيبه بورق الذهب، وقد وصف ابن الحاج وهو من علماء المالكية الكبار، هذه الحرفة في كتابه "المدخل" بأنها "من أهم الصنائع في الدين إذ بها تصان المصاحف وكتب الأحاديث والعلوم الشرعية". 

يقول بوهادي إن لتسفير الكتب بالمغرب خصوصية، فكل مراحله يدوية وتعتمد على أدوات خشبية وحديدية توارثها الصناع المهرة جيلا بعد جيل. ومع تقدمه في العمر يخشى هذا الرجل الستيني ضياع الحرفة وأصولها، وبنبرة ضيق يقول إنه بوفاة كل معلم تقترب من نهايتها فلا أحد منهم ترك وريثا يخلفه.

لفن التجليد عشاق من محبي المخطوطات، يحملون إليه كتبهم القديمة بورقها المتعب والمثقل بالكلمات والغبار والحشرات، وآخرون ينسخون المخطوطات النادرة ويلجؤون إليه لتجليد حفاظا عليها لقيمتها العلمية.

هؤلاء الزبائن يتناقصون يوما بعد آخر، لذلك يكون جل عمله مع أصحاب الخزانات الكبيرة ومؤسسات الدولة التي تقصده لإنقاذ أرشيفها الذي نالت الرطوبة من أوراقه وأتت الأرضة على حروفه.

يأخذ أدواته، ويقضي أحيانا أسابيع وأشهرا داخل إحدى تلك الإدارات يعمل خلالها على تجليد كتب الأرشيف، فبعض السجلات الرسمية الحساسة يمنع إخراجها لذلك يذهب إلى مكان حفظها لإصلاحها.

وفي بعض المواسم، يظل بوهادي بلا عمل، فيمضي وقته في صناعة المنتوجات الجلدية من حقائب ومحافظ وأدوات مكتبية يعينه بيعها على مصاريف الحياة وإعالة أسرته.

اهتمام.. تجاهل
بدأت علاقة بوهادي بالتجليد عندما كان في عمر 18، التحق بمركز لتكوين الحرفيين بالرباط، يقوده شغف بحرفة كان لها شأن في الماضي ومكانة، لكنها اليوم كما يقول تذوي شيئا فشيئا.

لم يرث أبناؤه عنه هذا الشغف بل أكملوا دراستهم الجامعية وشقوا طريقهم المهني بعيدا عنه، وهو يرى أن شباب اليوم لا يجدون في الحرف التقليدية ما يشجعهم على اتخاذها مهنة يتعيشون منها.

مجموعة كتب بعد تجليدها (الجزيرة)

ومقابل هذا التجاهل المحلي من تعلم حرفة التجليد، يتحدث بوهادي عن أجانب يقصدونه بعض المرات لتعلمها بعدما يقرؤون عن هذا الفن المغربي ويعجبون به. يتوقف للحظات ويلتقط من ذاكرته قصة أجنبي كان في مهمة بالمغرب تمتد لسنة، فجاءه طالبا تعلم التجليد، لأن المغرب كما أخبره بلد غني بصناعات تقليدية ولا يمكنه مغادرته دون تعلم واحدة منها.

غير بعيد عن بوهادي، يقف شاب عشريني يدعى محمد يتابع بانتباه مراحل تجليد الكتاب، وبين الفينة والأخرى يمد له إحدى الأدوات، ولا يمل من سؤاله عن تفاصيل دقيقة في العمل.

ورث محمد الصناعة الجلدية عن والده صانع البلغة (وهو نعل تقليدي يصنع من الجلد) فحمل المشعل بنفس إبداعي يستلهم من الماضي ويصمم للحاضر. وبين الفينة والأخرى، يزور المعلم بوهادي في ورشته لتعلم أبجديات فن التجليد، فهو كما يراه جزءا من الصناعات الجلدية التي عرف بها المغرب وسيكون محظوظا إن تعلمها رغم أنه يجزم بنيته عدم اتخاذها حرفة يتعيش منها.

محاولات إنقاذ
للتجليد تاريخ عريق بالمغرب يمتد لقرون، إذ ساهم في حفظ الكثير من المخطوطات. وارتبط بعلماء وفقهاء كبار أتقنوا هذه الصنعة وعُرفوا بها إلى جانب النسخ، وقد ازدهر أيضا بفضل اهتمام سلاطين الدول التي تعاقبت على حكم المغرب بالكتب.

وتتناقل عدد من المصادر التاريخية قصة احتفال الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي بهدية أهل قرطبة وكانت عبارة عن (نسخة) مصحف عثماني، إذ جمع أمهر الصناع من مجلدين ونقاشين ومرصعين ورسامين لزخرفة هذه الهدية، فصنع لها خزانة وأغشية محلاة بالذهب والفضة ومرصعة بأنواع الحجارة الكريمة حتى صارت تحفة فنية.

واليوم تسعى وزارة الصناعة التقليدية لإنقاذ هذه الصنعة وغيرها، بإطلاق برنامج للمحافظة على حرف الصناعة التقلیدیة المھددة بالانقراض، وقد صنفت لائحة أولية تضم 42 حرفة مهددة، ومكن البرنامج من توصیف وتوثیق 26 حرفة من بينها فن التسفير (التجليد) والتذهيب وذلك عبر وسائط مختلفة.

ورغم نبرة اليأس التي تلازم حديثه، يأمل بوهادي أن يهتم المسؤولون بفتح مراكز لتعليم هذه الحرفة وتحسيس الشباب بقيمتها، على أن يشرف على تلك المراكز الصناع المهرة الذين تشربوها وأتقنوا تفاصيلها لينقلوا عصارة علمهم للأجيال الجديدة.

المصدر : الجزيرة