دين وسياسة وثقافة.. نوتردام تلخص ثمانية قرون من تاريخ فرنسا
عـاجـل: الرئاسة الإيرانية: ماكرون أبلغ روحاني بأن إعلان واشنطن نيتها تشديد العقوبات على إيران يشكل عقبة أمام الحل

دين وسياسة وثقافة.. نوتردام تلخص ثمانية قرون من تاريخ فرنسا

كاتدرائية نوتردام دو باري كانت نافذة يطل منها الفرنسيون على ماضيهم (رويترز)
كاتدرائية نوتردام دو باري كانت نافذة يطل منها الفرنسيون على ماضيهم (رويترز)

نوتردام دو باري (باريس) ليست مجرد كاتدرائية ولا بقية من زمن الديانات والتعلق الشديد بالسماء، بل هي البيت وتابوت التاريخ بالنسبة لفرنسا، إنها قطعة من هذا البلد لا تقدر بثمن، قد أصابتها نيران حريق مدمر.

وقالت صحيفة لوفيغارو في مقال تحسر على الحريق الذي أصاب هذا المعلم التاريخي الذي يقوم على ضفاف نهر السين، إن كاتدرائية نوتردام دو باري كانت نافذة يطل منها الفرنسيون على ماضيهم.

وقالت الصحيفة إن هذه الكاتدرائية ليس مكانا للعبادة فقط، وإنما كانت معلما سياحيا كبيرا يزوره الملايين كل سنة، وإذا كانت كل الطرق تؤدي إلى روما، فإن كل الطرق تنطلق من نوتردام، كما يقول الأسقف باتريك جاكي.

وبعد أن كانت ساحات هذه الكاتدرائية تضم تماثيل ملوك العهد القديم في واجهتها الغربية، في صورة لا تختلف كثيرا عن ملوك فرنسا، حسب المعتقد الشعبي السائد، فقد أزيلت تلك التماثيل بعد الثورة الفرنسية.

الإمبراطور نابليون رد الاعتبار لنوتردام دو باري بعدما فعلته بها الثورة الفرنسية من إهمال وتدنيس (مواقع التواصل الاجتماعي)

تمجيد العقل
وتأتي الثورة الفرنسية لترفع عن المكان قدسيته الدينية وتحوله إلى صرح لتمجيد العقل، ولكن مع الاعتراف برمزيته الدينية، إذ يمكن أن يقرأ المرء على واجهته أن "الشعب الفرنسي يؤمن بوجود كائن أسمى وبخلود الروح".

وأشارت الصحيفة إلى ما أصاب هذا المَعلَم من إهمال، حين غدا مستودعا للنبيذ وصمتت أجراسه وغابت القرابين والمراسيم الدينية عنه، بعد أن كان مكانا يعج بالعبادة والمراسيم.

وفي استذكار شاعري لتاريخ نوتردام، تخيل الكاتب فينسان تريملو دفيلييه الذي كتب المقال للصحيفة، أيام المجد الغابر لهذ الصرح، فها هو لويس التاسع يتعبد حافي القدمين في ثوبه الأبيض، وها هو فيليب لوبيل يختال في مشيته بعد نصره في مون آنبيفيل، وها هي أُم جان دارك وشقيقها يحضران حفل رد الاعتبار للبطلة.

وعدد الكاتب كثيرا من المواقف مع عظماء فرنسا التي كانت هذه الكاتدرائية شاهدا عليها، معرجا على رد الإمبراطور نابليون الاعتبار لها بعد ما فعلته بها الثورة الفرنسية من إهمال وتدنيس.

وفي عام 1800 قامت فكرة تحويلها إلى متحف، رغم أنها بالفعل استعادت أسقفها وأصبحت مكانا لاستقبال عظماء فرنسا من جديد، وللاحتفاء بأحداثها المهمة وأعيادها الكبرى، كما وصف بعض ذلك الكاتب بول كلوديل عند استعراضه لحفل زواج الدوق دو بيري مع الأميرة كارولينا الصقلية.

وقد ألهمت هذه الكاتدرائية المثقلة بالتاريخ –حسب الكاتب- كثيرا من الكُتاب الفرنسيين المشهورين من أمثال فيكتور هوغو في رواية "أحدب نوتردام" ونيرفال وفلوبير، وحتى هويزمان الذي كان يكره أبراجها المسكونة بالخطايا ورذائل المدينة، حسب اعتقاده.

وفي القرن التاسع عشر قام المعماري فيولي لو دوك بترميم الكاتدرائية، وأعاد إليها رونقها القديم، كما عاد إليها مجدها لتصبح مكانا للاحتفال بالأحداث الفرنسية الكبرى، مثل الاحتفال بنهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وتحرير باريس عام 1944.

في عام 2009 جاء الرئيس الأميركي باراك أوباما مع أسرته إلى نوتردام زائرا وطالبا البركة (غيتي)

مراسيم جنائزية
ورغم أن التوجه إلى الكنائس أصبح ضعيفا مع تناقص التدين، فإن نوتردام لا تزال تشهد إقبالا قويا، خاصة في المواعيد الكبرى مثل المراسيم الجنائزية، فقد شهدت جنازة شارل ديغول وجورج بومبيدو وفرانسوا ميتران، كما صلى فيها الباريسيون عند بعض المآسي الكبيرة مثل تسونامي وأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وغيرهما.

وفي عام 2009، جاء الرئيس الأميركي باراك أوباما مع أسرته زائرا وطالبا البركة إلى نوتردام، لينحني أمام بقية من تاج الأشواك المنسوب للمسيح الذي تحتفظ به هذه الكاتدرائية في صندوق كنوزها.

المصدر : لوفيغارو