كاتدرائية نوتردام.. هذا ما عانته عبر التاريخ قبل الحريق

Cathedral of Notre-Dame of Paris fire aftermath- - PARIS, FRANCE - APRIL 16: The Notre-Dame Cathedral is seen the day after the massive fire that ravaged its roof on April 16, 2019 in Paris, France. A fire broke out on Monday afternoon and quickly spread across the building, collapsing the spire.
كاتدرائية نوتردام تمثل ذروة فن العمارة القوطية وتعتبر رمزا دينيا وتاريخيا بارزا (الأناضول)

عمران عبد الله

في قلب باريس وفي الأسبوع المقدس لدى ملايين المسيحيين الغربيين الذين يحيون "أسبوع الآلام" وبينما كانت كاتدرائية نوتردام تستعد لاستقبال زوارها في  "الجمعة العظيمة"، اجتاحت النيران البناية التاريخية التي تعود لما يقرب من ثمانية قرون حافلة.

ومثلت نوتردام ذروة فن العمارة القوطية منذ العصور الوسطى وحتى مع تراجع الدين في فرنسا في العقود الأخيرة، ظلت القلب النابض للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، التي تفتح يوميا لإقامة القداس كما تعد معلما وطنيا ذا قيمة تاريخية تفوق برج إيفل الشهير.

وكانت آخر مرة عانت فيها الكاتدرائية من أضرار جسيمة خلال الثورة الفرنسية، عندما تم الهجوم على تماثيل القديسين من قبل مناهضين لرجال الدين، ونجا المبنى من انتفاضة الكومونة عام 1871 ولم يتهدم خلال الاحتلال النازي وبقي كذلك خلال الحربين العالميتين سالما إلى حد كبير.

وبينما تغرق الكنيسة الكاثوليكية حاليا في الجدل المحتدم حول إساءة معاملة الأطفال، طالت النيران الكاتدرائية الكاثوليكية الثانية بعد الفاتيكان، وتزامن ذلك مع الأسبوع الأكثر قداسة لدى المسيحيين الغربيين.

واعتبرت "سيدة باريس" لعدة قرون درة العمارة الباريسية، وأصبحت مقصدا سياحيا ودينيا على حد سواء للملايين من السياح والمصلين الذين يتدفقون عبر أبوابها كل عام من جميع أنحاء العالم.

وشب فيها الحريق أمس الاثنين ووصل بسرعة إلى سطحها ودمر نوافذ الزجاج الملون والخشب الداخلي قبل إسقاط البرج التاريخي ذي التصميم المبتكر بالدعامات الطائرة والنوافذ الوردية الهائلة والملونة والزخارف النحتية التي تميزها عن الطراز الروماني القديم، وأتاحت الهندسة المعمارية القوطية للمباني أن تكون أخف وزنا وأن ترتفع لحدود عالية.

‪الحريق الذي شب في الكاتدرائية أثار حالة هلع واسعة في فرنسا وخارجها (غيتي)‬ 
الحريق الذي شب في الكاتدرائية أثار حالة هلع واسعة في فرنسا وخارجها (غيتي)  
‪الحريق الذي شب في الكاتدرائية أثار حالة هلع واسعة في فرنسا وخارجها (غيتي)‬
الحريق الذي شب في الكاتدرائية أثار حالة هلع واسعة في فرنسا وخارجها (غيتي)  

معلم ديني ووطني
أصبحت الكاتدرائية العريقة جزءا لا يتجزأ من الثقافة والتقاليد الفرنسية منذ بدأ العمل بها بمباركة البابا ألكساندر الثالث عام 1163 لتصبح الهيكل الشاهق الذي يهيمن على أفق باريس، واستغرق الأمر ما لا يقل عن قرن من الزمان لاستكماله وجرى إضافة لمسات جديدة باستمرار في الخمسمئة عام التالية لبنائها.

وشهدت نوتردام بخلاف فعاليتها الدينية العديد من الأحداث الكبرى ففي عام 1558 تزوجت ماري ملكة الاسكتلنديين من زوجها الفرنسي فرانسيس الثاني داخل أسوارها، وفي عام 1572، تزوج هنري الرابع ملك فرنسا أيضا بها.

وفي عام 1548، في ذروة الإصلاح الديني تسببت أعمال الشغب التي قام بها البروتستانت في تدمير بعض التماثيل التي اعتبروها وثنية.

وخلال أحداث الثورة الفرنسية عانت كذلك كثيرا، ونُهب العديد من كنوزها وقطعت رؤوس 28 تمثالا، على خلفية الاعتقاد أنهم ملوك فرنسيون وليسوا شخصيات توراتية، لكن العجيب أنها نجت في كل هذه الأحداث من أي حريق مدمر.

وبحلول عصر نابليون كانت نوتردام في خطر الهدم التام لكن حفل تتويج الإمبراطور تم في رحابها عام 1804 في حفل ترأسه البابا بيوس السابع مما أعاد الاعتبار إليها.

وعادت الكاتدرائية لواجهة فرنسا مسرحا لأحداث رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" عام 1831، وساعد وصف هوغو في روايته الرومانسية إلى جانب ملاحظاته حول الأضرار التي لحقت بها، في القيام بجولة جديدة من الترميم للمبنى من قبل الملك لويس فيليب في القرن التاسع عشر.

وإضافة لتاريخها الطويل فثمة دلالة رمزية ودينية لموقعها إذ تقع في المكان ذاته الذي شهد بناء أول كنيسة مسيحية في باريس وذلك على أنقاض معبد روماني قديم، ويقول مؤرخون إن أول كنيسة في الموقع بناها الملك شيلدبرت الأول عام 528م، وأخذت الطابع القوطي الفرنسي في البناء التالي لها.

‪رسم للكاتدرائية يعود للقرن الثامن عشر (مواقع التواصل)‬ رسم للكاتدرائية يعود للقرن الثامن عشر (مواقع التواصل)‪رسم للكاتدرائية يعود للقرن الثامن عشر (مواقع التواصل)‬ رسم للكاتدرائية يعود للقرن الثامن عشر (مواقع التواصل)

رمز التاريخ والثقافة
وتعد رعاية الكاتدرائية مسألة إشكالية بين الدولة والكنيسة، فرغم أن الكنيسة نجت من 850 عاما من الحرب والثورة لتصبح ثاني أكثر المواقع زيارةً في فرنسا بعد برج إيفل، تبدو البيروقراطية أكبر تهديد يواجه المبنى المتهالك.

وبسبب الترتيب الحرج بين الكنيسة والدولة في رعاية الكنيسة، فمن غير الواضح تماما حدود المسؤولية بينهما عن صيانة المبنى.

ولا تعتبر نوتردام مجرد كنيسة أبرشية، إذ لا يوجد بها مجموعة منتظمة من المصلين الذين "ينتسبون" إليها، لكنها لا تزال الكنيسة الرئيسة لرئيس الأساقفة الكاثوليك ميشيل أوبيتيت في باريس.

وتكشف نوتردام كل عام خلال الأسبوع المقدس عن بعض الآثار المسيحية من بينها التاج المقدس الذي يعتقد كثيرون أنه مصنوع من الأشواك الموضوعة على رأس المسيح، وتضم كذلك قطعتين أخريين متصلتين بالأحداث الأخيرة في حياة المسيح، بحسب المعتقد المسيحي.

ورغم أن نسبة الكاثوليك في فرنسا تزيد على الثلثين، فإن الحريق تسبب في موجة حزن عام وكان مؤثرا بالنسبة لجميع سكان البلاد، إذ كانت الكاتدرائية لفترة طويلة رمزا رئيسا للتاريخ والثقافة الفرنسيين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

خبير علم المصريات الباحث / بسام الشماع وهو أثناء إلقاء محاضرته - الجزيرة نت

كشف الخبير في علم المصريات الباحث المصري بسام الشماع الكثير من الحقائق والأسرار والغموض الذي أحاط بحريق مكتبة الإسكندرية قبل أكثر من عشرين قرنا وتبرئ الفاتح المسلم عمرو بن العاص من التهمة.

Published On 5/12/2008
حريق هائل يأتي على محتويات واحدة من أهمّ المكتبات بشمال إفريقيا - مصدر الصورة موقع معهد الاداب العربية الجميلة بتونس - بطلب من الاستاذ منير الجالودي

أتى حريق هائل على آلاف الكتب والمخطوطات بمكتبة الآباء البيض في تونس العاصمة. وتوفي راهب كاثوليكي يعمل بالمكتبة، يُعتقد أنه كان نائما أثناء اندلاع النيران. ولم تعرف بعد أسباب الحادث الذي وقع مساء الثلاثاء.

Published On 7/1/2010
Sacra Di San Michele At The Valle Susa. Piedmont. Italy. (Photo by: Bildagentur-online/UIG via Getty Images)

قالت السلطات الإيطالية إن دير “ساكرا دي سان ميكيلي” -يعود تاريخه للعصور الوسطى وكان ملهما للرواية التي كتبها أمبرتو إيكو “اسم الوردة” والفيلم المقتبس عنها- قد تضرر بفعل حريق.

Published On 26/1/2018
Firefighters work to extinguish a fire at the library of the Academic Institute of Scientific Information on Social Sciences in Moscow on January 31, 2015. Around 150 firefighters worked to extinguish the fire on an area of 2000 square metres for more than 18 hours, local media reported. AFP PHOTO / ALEXANDER UTKIN

التهم حريق كبير مساحة مائتي متر مربع من مكتبة معهد المعلومات العلمية للعلوم الاجتماعية في موسكو, وتسبب الحريق في إتلاف أكثر من مليون وثيقة تاريخية فريدة.

Published On 1/2/2015
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة