متاحف مشيرب.. حيث يتزاوج الماضي والمستقبل بقلب الدوحة

بيت محمد بن قاسم أحد متاحف مشيرب التراثية التي تحكي تاريخ قطر على خلفية الواقع المغرق في الحداثة (الجزيرة)
بيت محمد بن قاسم أحد متاحف مشيرب التراثية التي تحكي تاريخ قطر على خلفية الواقع المغرق في الحداثة (الجزيرة)

منذ نحو ثلاث سنوات، تستقطب متاحف مشيرب اهتمام المواطنين والمقيمين والسياح الشغوفين باكتشاف ثقافة وتاريخ قطر، فهي تقع في مشروع مشيرب، أحدث أحياء الدوحة وأكثرها تطلعا للمستقبل، ليكتشف الزائر من خلالها حوارا قلّ نظيره بين عراقة الماضي وتطلعات الغد.

ويشكّل مشروع "مشيرب قلب الدوحة" حلما عقاريا يتجسد على أرض الواقع، حيث حُوّل حي مشيرب القديم إلى منطقة سكنية وخدمية متكاملة تتماشى مع طموح الرؤية الوطنية لدولة قطر 2030، بحيث تحقق شروط التنمية المستدامة، وتوفّر للأجيال الحالية والمقبلة مستويات معيشية عالية، وتقدم نموذجا يُقتدى به في مشاريع تطوير أواسط المدن حول العالم.

ومع أن المشروع ما زال في مراحل إنشائه الأخيرة، يبدو أن الخطة استهدفت المسارعة إلى افتتاح متاحفه الأربعة قبل اكتماله، ليصبح خلال السنوات الثلاث الماضية وجهة سياحية وثقافية وتعليمية نموذجية في المنطقة.

أحد أروقة بيت محمد بن قاسم (الجزيرة)

 

حكاية الحداثة المتسارعة
يتيح بيت محمد بن قاسم لزواره الانتقال بالصوت والصورة إلى الماضي لاكتشاف الأيام الأولى لدولة قطر الحديثة، فالبيت شيّده الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني نجل مؤسس الدولة، وما زال محتفظا بعد ترميمه بروحه التراثية القديمة، رغم حداثة التكنولوجيا التي تزهو بها كل أروقته في سردها لعشرات القصص.

فإلى جانب المقتنيات الخاصة بمشروع "صدى الذكريات" التي تروي تاريخ البيت والحي والدولة، يجد الزائر نفسه منخرطا في عروض مبهرة تتناول الكثير من قضايا التاريخ والجغرافيا وتطلعات المستقبل.

 

وفي بعض العروض، يشاهد الزائر أفلاما وحكايات يرويها سكان مشيرب عن التطور المذهل الذي تجسد أمام أعينهم خلال سنوات حياتهم، ويتكامل المشهد بالكشف عن التحديات التي تخوضها قطر للموازنة بين تراثها ومتطلبات الحداثة التي فتحت أبوابها على مصراعيها.

بيت الرضواني.. التراث يحتفظ برونقه بين المباني الحديثة العملاقة (الجزيرة)

أما بيت الرضواني فقد مرّ على إنشائه نحو قرن، ويجسد موقعه الرابض بهدوء في أحضان المنشآت الحديثة تزاوج الماضي والمستقبل في هذه الدولة.

تروي جدران البيت قصة إنشائه على يد أحد وجهاء مشيرب. وخلال أعمال الحفريات التي استدعاها ترميمه، تم العثور على العديد من مقتنيات العائلة التي تحولت إلى معروضات تحكي تفاصيل الحياة الأسرية المحلية أثناء الانتقال المتسارع نحو الحداثة. 

بساطة الحياة القطرية قبل نحو قرن تتجسد في بيت الرضواني (الجزيرة)

 

حكاية الرق والحرية
يتربع بيت بن جلمود على مساحة واسعة في قلب الحي التراثي بمشيرب، وقد تم الحفاظ عليه للإبقاء على السردية الحقيقية لتاريخ تجارة الرقيق العالمية، ولا سيما في منطقة المحيط الهندي والخليج العربي.

كان بن جلمود أحد تجار الرقيق في قطر القديمة، ومن اللافت أن يتحول بيته من مقر لتجارة الرقيق إلى محطة إثراء ثقافي، وأن تحمل كل زاوية فيه أحد جوانب العرض البصري المبهر والمفعم بالحقائق التاريخية التي تهدف إلى إطلاع الأجيال الحالية والمقبلة على هذا الجانب من تاريخهم.

جولة ثقافية تحكي تفاصيل تجارة الرقيق في بيت بن جلمود (الجزيرة)

يستهدف المشروع أيضا رفع مستوى الوعي للزائرين والسياح بشأن جهود مكافحة الاتجار بالبشر، ويوضح بجلاء أن الرق بأشكاله الحديثة بات أكثر انتشارا من قبل. ثم يحث في نهاية العرض كل زائر على تقديم تعهد مصوّر بالالتزام بمبادئ مكافحة هذه الظاهرة وتوعية الآخرين بها.

اهتمام من السياح بالعروض الثقافية التي يقدمها بيت بن جلمود (الجزيرة)

ولا يغفل هذا المشروع التثقيفي الجانب الإنساني الذي تميّز به الإسلام في معاملة الرقيق عن كافة الحضارات الأخرى، وحثِّه على تحريرهم. 

بيت بن جلمود يسلط الضوء على الرق المعاصر (الجزيرة)

أما بيت الشركة، فهو المقر السابق لشركة النفط الأولى في قطر، والتي تأسست على يد رواد صناعة النفط في ثلاثينيات القرن العشرين وفقا لعقد مع شركة بريطانية.

يحكي البيت المعاد ترميمه قصة الرواد الذين حوّلوا بسواعدهم قطر من دويلة صغيرة لا يتعدى سكانها 27 ألف نسمة وتعتمد على صيد وتجارة اللؤلؤ، إلى دولة ذات وزن إقليمي يزيد عدد سكانها على مليونين ونصف المليون وتتحكم في اقتصادات الطاقة على المستوى الدولي، وذلك خلال مئة عام فقط.

مجسمات تحكي قصص رواد صناعة النفط في بيت الشركة (الجزيرة)

وإلى جانب العروض السمعية والبصرية الشيقة، يحتفظ البيت ببعض مقتنيات العمال البريطانيين والقطريين الأوائل، ويحكي تفاصيل حياتهم اليومية البسيطة في تلك المرحلة الفاصلة من التاريخ.

بيت الشركة من الخارج (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة