أزمة القراءة بتونس.. معارض موازية تقرب الكتاب للمسافرين

واجهة معرض مواز للكتاب قبالة محطة القطارات بساحة برشلونة بالعاصمة تونس (الجزيرة)
واجهة معرض مواز للكتاب قبالة محطة القطارات بساحة برشلونة بالعاصمة تونس (الجزيرة)

مجدي السعيدي-تونس

تحت خيمة عملاقة متاخمة لمحطة ساحة برشلونة، أكبر محطات النقل العمومي في قلب العاصمة تونس، يقف عماد بن نصر أمام منضدة كبيرة يقلب صفحات كتاب باللغة الفرنسة ثم يعيده إلى مكانه، ولا ينفك يتنقل بين أجنحة الفضاء الفسيح الذي جعل منه صاحبه معرضا للكتاب يستقطب المارة والمسافرين كما لو أنه قاعة انتظار لموعد القطار.

يرفع عماد، الشاب الثلاثيني مهندس الاقتصاد، بصره نحو الرفوف التي تعج بالكتب والمؤلفات والمنشورات والكتب المدرسية الموازية تعلوها لافتة تتصدرها عبارة "أمة تقرأ.. أمة ترتقي"، وهو شعار اختار صاحب المعرض أن يغري به من حملتهم أقدامهم للمرور بذلك المكان الأكثر حركية وسط العاصمة.

كتب على الرصيف
لا يرى عماد حرجا في أن يفوته القطار وهو يستغرق في صفحات بعض الروايات أو الكتب العلمية أو التاريخية المعروضة على قارعة الطريق، ويقول للجزيرة نت "نزلت من سيارة الأجرة لقضاء شأن ما، وعند مروري صدفة بهذه الخيمة العملاقة أغرتني الكتب الملقاة على المنضدة، أتصفح بعضها عسى أن أجد ضالتي من العناوين المميزة".

واجهة مكتبة عرضية على الرصيف قبالة محطة الحافلات وسط العاصمة تونس (الجزيرة)

ويعتبر أن فكرة إقامة معارض الكتاب الموازية أو العرضية مجدية من أجل رفع معدلات القراءة ومؤشرات رواج الكتب في أوساط الشباب في تونس.

ورغم المؤشرات الضعيفة التي تميز علاقة التونسي بالكتاب والمطالعة انتشرت معارض موازية للكتاب تتخذ من الأرصفة والشوارع القريبة من محطات الحافلات والقطارات مكانا أمثل لجلب اهتمام المولعين بالمطالعة ورفع مستوى رواج الكتب بتونس.

ينشغل المسؤول عن المعرض المتاخم لمحطة القطارات قيس المبروكي بخدمة بعض الزبائن ممن يقبلون بلهفة على الكتب المدرسية الموازية وكتب التاريخ، ثم يعيد بعض المجلدات التي بعثرها رواد المعرض إلى رفوفها.

وتعتبر هذه المعارض الموازية فرصة للمارة والمسافرين لاقتناء الكتب بأسعار تفضيلية أقل مما هي عليه في المكتبات المعروفة، وفق ما صرح به المبروكي للجزيرة نت.

ويتابع "الظاهرة فرضت نفسها بسبب تراجع مؤشرات الإقبال على المعارض، المركز التونسي للكتاب يسعى إلى تسهيل عملية اقتناء الكتب على اختلاف اهتمامات القراء وأهوائهم، وذلك في ظل الأزمة الخانقة للقطاع التي تعود لضعف المقدرة الشرائية للمواطن في تونس".

قيس مبروكي: الظاهرة فرضت نفسها بسبب تراجع الإقبال على المعارض (الجزيرة)

عناوين تجارية
وتبدو أزمة القراءة في تونس ظرفية، بحسب بعض أصحاب المكتبات المعروفة التي يزورها عدد كبير من الزبائن يوميا، مثل "مكتبة الكتاب" إحدى أكبر الفضاءات الثقافية بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة.

ويرى المسؤول عن المكتبة لطفي الجلولي أن "التونسيين ليسوا في جفاء مع الكتاب، أزمة المطالعة ذهنية بالأساس، لأن هذه الأعداد المهولة من الباحثين عن إصدارات جديدة في الأدب والتاريخ والدراسات تؤكد أن التونسي يقرأ ويقبل على المطالعة رغم ارتفاع أسعار بعض الإصدارات".

ولا تشكل المعارض الموازية أو "كتب الرصيف" مصدر إزعاج للمكتبات المعروفة التي تعرض عناوين هادفة ونخبوية تختلف جوهريا عن تلك التي تتصدر الخيام المنصوبة على الشوارع التي تبحث عن الإثارة وتغري المارة بعناوين تجارية وترويجية بالأساس، على حد قول الجلولي.

مؤشرات ضعيفة
وتبدو مؤشرات المطالعة في تونس -وفق تقارير رسمية- ضعيفة جدا، إذ لا تتجاوز 0.6 كتاب في السنة للفرد الواحد، وهو مؤشر له تداعيات اجتماعية واقتصادية وتربوية خطيرة، بحسب مدير إدارة المطالعة العمومية بوزارة الشؤون الثقافية إلياس الرابحي.

وفي تصريح للجزيرة نت اعتبر الرابحي أنه "كلما انخفض مؤشر القراءة ارتفع منسوب الجريمة والانحراف والتفكك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة، وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية".

وبحسب المتحدث، تعمل تونس على التقليص في حدة مؤشرات العزوف عن المطالعة عبر تنفيذ برامج هدفها إعادة الاعتبار للكتاب، وتنظيم تظاهرات ومسابقات تستهدف بالخصوص الناشئة والأطفال والشباب، وتحفزهم على الكتابة والقراءة، كما تأخذ على عاتقها مهمة طباعة ونشر المؤلفات المتوجة في أعقاب مسابقات يشرف عيها عدد من الباحثين والأدباء.
لطفي الجلولي: أزمة المطالعة في تونس ذهنية بالأساس (الجزيرة)

وتوجد في تونس 423 مكتبة عمومية يرتادها سنويا ما يناهز 4 ملايين زائر، ويبلغ عدد الكتب فيها 8 ملايين كتاب، أي بمعدل 0.67 كتاب لكل مواطن تونسي.

وتشير تقارير صحفية مختلفة إلى أن معدلات القراءة في العالم العربي لا تتجاوز كتابا واحدا لكل 80 شخصا سنويا، في حين يقرأ المواطن الياباني 70 كتابا في السنة.

وتشهد معدلات الطباعة والنشر تراجعا واضحا، ويظهر ذلك من خلال مؤشرات النشر والطباعة والتوزيع التي تقلصت وتيرتها في السنوات العشر الأخيرة، بحسب أوس العلويني المشرف على دار سحنون للنشر والتوزيع إحدى أقدم دور النشر في تونس.

وفي تصريح للجزيرة قال العلويني "يرتبط مؤشر الطباعة والنشر بجودة الكتاب في المقام الأول، فالأدب فيه الغث والسمين، ومن أبرز أسباب تراجع مؤشرات المطالعة غياب عناوين جيدة يقبل عيها القارئ".

ويضيف المتحدث أن "التكاليف المرتفعة للطباعة أدت إلى تراجع نسق النشر، في حين تسببت الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد في الحد من مساهمة الدولة في تزويد المكتبات ومراكز البحث ومؤسسات التعليم العالي بالكتب والمؤلفات المتخصصة، باعتبار أن ميزانية تلك المؤسسات أصبحت موجهة لسد الأجور".

المصدر : الجزيرة