إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.. 55 عاما من صوت الوحي والسياسة

السيسي في حوار مع إذاعة القرآن الكريم (مواقع التواصل)
السيسي في حوار مع إذاعة القرآن الكريم (مواقع التواصل)

محمد سيف الدين-القاهرة

"إذاعة القرآن الكريم من القاهرة".. جملة يتردد صداها في أرجاء مصر والوطن العربي والإسلامي منذ 55 عاما، حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من الروتين اليومي لأغلب المصريين.

إنها إذاعة القرآن الكريم التي عرف عبرها العالم الإسلامي أصوات كبار القراء مثل المنشاوي والحصري وعبد الباسط ومصطفى إسماعيل، فضلا عن كبار المنشدين والمبتهلين مثل النقشبندي وطه الفشني ونصر الدين طوبار. 

وعلى غرارها ظهرت العديد من إذاعات القرآن الكريم في الدول العربية والإسلامية، لكن إذاعة القرآن الكريم من القاهرة ظلت صاحبة نكهة خاصة ولون مختلف.

ملابسات النشأة
كان لنشأة إذاعة القرآن الكريم في مصر ظروف وملابسات دعت إلى اتخاذ هذا القرار، ففي أوائل الستينيات من القرن الماضي ظهرت طبعة مذهبة من المصحف الشريف، بها تحريفات لبعض الآيات، مما دفع وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر للعمل على تسجيل مصحف مرتل برواية حفص عن عاصم على أسطوانات بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصري، لتوزّع على المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي.

ويعتبر ذلك أول جمع صوتي للقرآن الكريم بعد أول جمع كتابي له في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، وفق ما ذكره فوزي خليل نائب رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق، في بحث أعده بعنوان "إذاعة القرآن الكريم من القاهرة من الماضي إلى الحاضر والمستقبل". لكن بمرور الوقت تبين أن هذه الوسيلة لم تكن فعالة لعدم انتشار الأجهزة اللازمة لتشغيل هذه الأسطوانات، فضلا عن عدم توفر الطاقة الكهربائية اللازمة لها.

انتهى الرأي بعد ذلك إلى تخصيص موجة راديو قصيرة وأخرى متوسطة لإذاعة التسجيل، وذلك بعد موافقة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

رغم أن الإذاعة أنشئت لهدف ديني واضح، فإن السياسة كانت حاضرة منذ أول يوم لها، وفقا لعميد كلية الإعلام السابق بجامعة السويس حسن علي، حيث استٌخدمت فكرة إنشاء الإذاعة للرد على من يرمون عبد الناصر بالعداء للإسلام، خاصة الصحف السعودية التي كان تصب اهتمامها على التحالف بين الرئيس الراحل والاتحاد السوفياتي، واتهامه بالتحالف مع من تصفهم بـ"الشيوعيين الملحدين" والتشكيك في مدى تدينه وموقفه من الدين الإسلامي بشكل عام.

هنا جاء الرد السياسي المصري شديد الذكاء بتأسيس أول محطة إذاعية مخصصة لبث القرآن الكريم التي بدأ إرسالها يوم 29 مارس/آذار 1964 بمدة إرسال قدرها 14 ساعة يوميا.

برامج جديدة
ظهرت البرامج الدينية في إذاعة القرآن الكريم عام 1966 بناء على رأي مجلس النواب، ولعل أقدمها برنامج حديث الروح والدين المعاملة والقاموس الإسلامي.

وفي عام 1967 أدخل القرآن المجود بأصوات كبار القراء ليذاع مع المصحف المرتل، وفي عام 1973 امتد الإرسال ليصبح 19 ساعة، ثم امتد ليصبح طوال اليوم منذ الاحتفال بعيد الإعلاميين عام 1994.

مع انتصار مصر في حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973 على إسرائيل، بدأت إذاعة القرآن الكريم في بث صلاة الفجر ثم صلاة الجمعة، ومنها بدأ بث المؤتمرات والاحتفالات والفعاليات الإسلامية الكبرى. بعدها بدأ التفكير في البرامج التفاعلية مثل المسابقات الدينية لاسيما في شهر رمضان المبارك، وبرامج الفتاوى مثل بريد الإسلام الذي يذاع في ثلاث فقرات على مدى اليوم.

ورغم تعدد المحطات الإذاعية في مصر، ظلت إذاعة القرآن الكريم تسيطر على نصيب الأسد من حجم متابعي شبكات الإذاعة المصرية حيث يستمع إليها 84.2% من متابعي الراديو المصري، وفقا لتقرير أصدرته الإدارة المركزية لبحوث المستمعين والمشاهدين بالأمانة العامة لاتحاد الإذاعة والتلفزيون عام 2015.  

تنامي الدور السياسي
مع اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بدأت إذاعة القرآن الكريم تلعب دورا سياسيا واضحا، حيث روّجت آنذاك لفكرة حرمة الخروج على الحاكم، وحثت المواطنين على عدم الانصياع لدعوات التظاهر في ذكرى الثورة، وجاء ذلك على لسان أحد مشايخ وزارة الأوقاف الذي قال إن "الاحتجاجات تتسبب في توقف عجلة الإنتاج وتعطيل مسيرة التنمية".

وعن كواليس ما حدث قال الإعلامي محمد عويضة الذي كان يرأس إذاعة القرآن الكريم حتى نهاية 2015، إن "الإذاعة لا تتخذ توجها سياسيا لتيار دون آخر لكنها تعمل بمثابة سيارة الإطفاء التي تحاول تهدئة النيران المشتعلة والموضوعات التي يجري تداولها عن مخاطر التعصب ودرء الفتن والمسؤولية السياسية، فإن كانت تلك هي السياسة فأهلا بها".

لكن الحقيقة أن إذاعة القرآن الكريم شهدت ما يشبه الانقلاب في دورها ورسالتها، حيث انضمت بعض برامجها إلى حملة التأييد والتبرير لسياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أجرت الإذاعة معه حوارا نادرا عام 2015 بمناسبة عيدها الواحد والخمسين، وهو ما أثار لغطا كبيرا، ورآه البعض خلطا واضحا للسياسة بالدين.

وخلال الحوار، طالب السيسي بالتصدي لما وصفها بـ"دعوات الغلو والتطرف وكافة الدعاوى المغلوطة والأفكار الهدامة"، وهو خطاب دأب على ترديده بشكل أثار حفيظة وشكوك القوى الإسلامية المعارضة على وجه الخصوص.

اعتقالات
وضمن حملة القمع للمعارضين التي شهدتها مصر، امتدت الاعتقالات السياسية لتمتد إلى بعض العاملين بإذاعة القرآن الكريم، حيث ألقى جهاز الأمن الوطني  القبض على كبير مذيعيها محمود خليل في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

وقالت مصادر باتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري إن "اعتقال خليل جاء لانتمائه لجماعة الإخوان المحظورة". بعدها قرر رئيس قطاع الإذاعة فصله بدعوى تغيبه عن العمل 10 أيام دون الحصول على إفادة عن سبب غيابه.

قبل الاعتقال تم استبعاد خليل من تقديم برامج الهواء والمسجلة أيضا، كما تم حصر نشاطه في كتابة مواد تحريرية تتم مراجعتها بعناية شديدة من خلال رؤسائه بدعوى تبنيه أيديولوجية سياسية معارضة.

وكان خليل يشغل منصب المدير العام لبرامج علوم القرآن وكبير مذيعي الشبكة، لكن السلطة لم تغفر له -على ما يبدو- أنه تولى رئاسة لجنة الثقافة بحزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وهو الحزب الذي فاز بالأغلبية في أول انتخابات جرت بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، كما وصل القيادي بالجماعة محمد مرسي إلى منصب الرئاسة قبل أن يُعزل في انقلاب عسكري قاده السيسي يوم 3 يوليو/تموز 2013 عندما كان وزيرا للدفاع آنذاك.

إيقاف برامج
على ما يبدو أن الإذاعة العريقة لن تمتد إليها يد التطوير، فقد أوقفت الإذاعة في سبتمبر/أيلول الماضي عددا من البرامج الشهيرة وهي: قطوف من حدائق الإيمان، والأزهر جامعا وجامعة، والبرامج التعليمية للثانوية الأزهرية، والإسلام والتنمية، وقيم إسلامية.

وعن أسباب توقف البرامج ونقل أصحابها الستة إلى الشبكات الثقافية والإذاعة التعليمية والقاهرة الكبرى والبرنامج العام، قال المذيع بإذاعة القرآن الكريم شحاتة العرابي أحد المفصولين، إنه تم نقله من إذاعة القرآن الكريم بسبب حديثه عن تجديد الخطاب الديني.

غير أن رئيس إذاعة القرآن الكريم حسن سليمان دافع عن قراره، وقال في تصريحات صحفية إن "المذيعين المنقولين ربما يعتقدون أن نقلهم إلى إذاعات أخرى من باب إجحاف الحق، وهذا خطأ، لأن النقل من أجل تلاقح الأفكار والتجديد خاصة أننا مقبلون على إعادة هيكلة في الإذاعة المصرية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عرضت حلقة برنامج "للقصة بقية" الفيلم الوثائقي "صناعة الوهم" التي تناولت الإعلام المصري، وناقشتها مع كل من الكاتب الصحفي سليم عزوز، والمذيع السابق في التلفزيون المصري محمد ناصر.

يواجه التلفزيون المصري المثقل بالديون تحديات تهدد وجوده، بعد تراجع التأثير الجماهيري لقنواته، بحسب إحصاءات رسمية وخاصة، مع تفضيل مسؤولي النظام المصري القنوات الفضائية الخاصة المملوكة لمقربين من النظام.

المزيد من إعلام ونشر
الأكثر قراءة