متحف قطر الوطني.. تحفة معمارية تروي قصة شعب

محمد السيد-الدوحة

وردة الصحراء أو وردة الرمال التي تشكلت عبر ملايين السنين، بجمال أقراصها المتشابكة، وتسلل أشعة الشمس الذهبية من بين تقاطعاتها كتحفة فنية تعكس الكثير من الأحاسيس، استوحى منها المعماري جان نوفيل تصميم متحف قطر الوطني.

المتحف الذي يستحضر تصميمه نمط حياة الشعب القطري بين البحر والصحراء، يروي فصول قصة نشأة قطر جيولوجيا منذ أكثر من ملايين السنين، مانحا إياها صوتا للتعريف بتراثها الثري وثقافتها الغنية والتعبير عن طموحات شعبها المستقبلية النابضة بالحياة.

وتكمن أهمية تصميم المتحف الذي فاز بجائزة أفضل إطلالة من الأسطح في العالم للعام 2019، لكونه تجربة متحفية غامرة وتجريبية على حد سواء، تنصهر فيها مجموعة من الثقافات والحضارات القديمة وتسلط الضوء على تاريخ القصة الفريدة لدولة قطر وشعبها منذ البداية وحتى يومنا هذا، مع استشراف للمستقبل.

متحف قطر الوطني يحقق إنجازا عالميا في مجال الاستدامة (الجزيرة)

جوائز عالمية
وحصل المتحف على هذه الجائزة في النسخة الخامسة عشرة من جوائز مجلة "وول بيبر" السنوية للتصميم، في إنجاز استثنائي جديد قبل افتتاحه رسميا وبعد تفوقه على أكثر المشاريع إثارة للإعجاب في العالم في مجالات التصميم المعماري والمنتجات والتصاميم المبتكرة.

وتم تصميم المتحف من خلال وضع تصور ثلاثي الأبعاد عن طريق برامج الحاسوب، في ظل صعوبة تركيب شكل وردة الصحراء على الطبيعة، ليخرج المتحف بأقراصه المنحنية العظيمة وتقاطعاته وزواياه المدعمة؛ وحدة متكاملة تجمع بين التصميم المعماري والمساحي والجمالي.

وهيكل المتحف مصمم من سلسلة شديدة التعقيد من الأقراص الدائرية المتشابكة والمترابطة ارتباطا عضويا فيما بينها؛ تحيط بالمبنى، مما يخلق حلقة من قاعات العرض التي تدور حول ساحة مركزية.

ويتناغم طلاء السطح الخرساني للمتحف مع الصحراء القطرية، حيث يأخذ لونا شبيها بالرمال، ليبدو المبنى كأنه نبت خارج من الأرض ومتوحد معها، كما تبدو وردة الصحراء تماما.

الفرنسي جان نوفيل استوحى تصميم متحف قطر الوطني من وردة الصحراء (مواقع التواصل)

عمق التاريخ
الفرنسي جان نوفيل الذي اختير لتصميم المتحف، يرى أن لقطر علاقة ضاربة في عمق التاريخ مع الصحراء بنباتاتها وحيواناتها وبدوها وعاداتها، ولهذا بحث عن معنى رمزي يعبر عن هذه العلاقة بجميع خيوطها المتناقضة، إلى أن تذكّر ظاهرة وردة الصحراء بأشكالها البلورية التي تشبه التفاصيل المعمارية الصغيرة، تلك الوردة التي تخرج من الأرض وتتشكل بفعل اجتماع الرياح مع الماء المالح والرمال.

وفي قلب المتحف، يقبع القصر التاريخي للشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني (1880-1957) ابن مؤسس دولة قطر الحديثة، وهو قصر قديم أعيد ترميمه، وكان يستخدم في السابق مسكنا للعائلة المالكة ومقرا للحكومة، ثم تحول لاحقا إلى متحف قطر الوطني القديم.

وإلى جانب القصر، يضم المتحف الجديد الممتد على مساحة 40 ألف متر مربع (430 ألف قدم مربعة) أعمالا فنية مبتكرة صممت خصيصا على يد فنانين قطريين ودوليين لعرضها في المتحف، إضافة إلى مقتنيات نادرة وثمينة، ومواد وثائقية، وأنشطة للتعلم التفاعلي.

وينقسم متحف قطر الوطني الذي يمتد على مساحة تزيد عن 1.5 كلم، إلى ثلاثة أقسام هي: البدايات، والحياة في قطر، وبناء الأمة، وتعرض محتويات هذه الأقسام في 11 قاعة عرض.

متحف قطر الوطني القديم (مواقع التواصل)

رحلة زمنية
وللاستمتاع بمشاهدة المحتويات، ينطلق الزائر في رحلة زمنية يقطع خلالها مسافة 2.7 كلم، يبدؤها مع الحقبة الجيولوجية قبل استيطان الجزيرة العربية، ثم ينتقل من محطة إلى أخرى عبر التاريخ وصولا إلى وقتنا الحالي، مستكشفا على طول الطريق محتويات مدهشة حتى يصل إلى درة تاج المتحف، وهي قصر الشيخ عبد الله الذي يمثل جوهر الهوية القطرية الوطنية.

وستتنوع هذه المحتويات بين المرويات التاريخية والصور الأرشيفية والأعمال الفنية وسماع الحكايات والروائح المرتبطة بالذكريات التي تمنح الزائر تجربة حسية عميقة تجعله يندمج مع مجموعة مذهلة من المقتنيات الأثرية والتراثية، مثل سجادة "بارودة" الشهيرة المصنوعة من اللؤلؤ، التي أمر بتصميمها عام 1865 والمطرزة بأكثر من 1.5 مليون لؤلؤة خليجية عالية الجودة ومزينة بالزمرد والماس والياقوت، إلى جانب المخطوطات والوثائق والصور والجواهر والأزياء.

وتشمل الأعمال الفنية المصنوعة خصيصا للعرض في متحف قطر الوطني؛ عملا للفنان القطري علي حسن في المدخل العام بالطابق الأرضي، وعملا آخر للفنان القطري الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني، ويعرض في مدخل قاعات العرض، ومنحوتة للفنان العراقي أحمد البحراني توجد في الساحة الخارجية "الحوش".

ومن الأعمال الفنية المصممة خصيصا للعرض في حديقة المتحف، عمل فني مذهل للفنان الفرنسي جان ميشال أوثونيل يقدم فيه 114 نافورة فردية داخل بحيرة، وقد صممت النوافير على نحو يحاكي أشكال الخط العربي برشاقته المعهودة، إلى جانب منحوتة للفنان السوري سيمون فتال بعنوان "بوابات البحر"، وفيها يستلهم النقوش الصخرية المكتشفة بموقع "الجساسية" في قطر.

ويحتفي المتحف في داخله بتقاليد قطر البحرية الطويلة من خلال التزامه بالحفاظ على السفن الخشبية الشراعية المصنوعة يدويا، والتي كانت ذات يوم تمثل شريان حياة للدوحة، حيث مكنت هذه القوارب أعمال الصيد والتجارة، وخاصة صيد اللآلئ الثمينة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة