النهمة.. فن خليجي خفت في البحر وصدح في البر

أقيمت جائزة كتارا لفن النهمة في قطر لاسترجاع حقبة الغوص لاستخراج اللؤلؤ (الجزيرة)
أقيمت جائزة كتارا لفن النهمة في قطر لاسترجاع حقبة الغوص لاستخراج اللؤلؤ (الجزيرة)

سعيد دهري-الدوحة

قارب يرسو على خشبة المسرح، أشرعة يداعبها هواء مكيفات القاعة، شباك وحبال وعدة صيد، أضواء مسلطة على مجموعة من البحارة، يتحلقون للغناء أو يصطفون في مشاهد تعيد تمثيل حركات التجديف ورفع الشراع والصيد، وأهازيج نهام (مغني السفينة) تصدح في أرجاء المكان.

سينوغرافيا تبدو ظاهريا أنها لتأثيث مسابقة جائزة كتارا لفن النهمة بقطر، لكنها ضمنيا تستعيد زمن الغوص على اللؤلؤ، وتستحضر حقبة اجتماعية واقتصادية، عاشتها دول الخليج العربي، ولا تزال تسترجع صورها عبر وثيقة تاريخية يمثلها فن النهمة، الشاهد الفني على مرحلة ما قبل اكتشاف النفط بالخليج.

النهمة والمهمة
بقدر ما يختلف الباحثون عن الجذور الأولى لفن النهمة، يتفقون على أصول التسمية والنشأة، فمنهم من يرى أن الاشتقاق من "النهم" باعتبار أن " النهام" لا يشبع من الغناء والإنشاد.

ومنهم من يرى أنها تعني صوت الأسد أو زجر الإبل أو بلوغ الهمة والعزيمة، بل من الباحثين من ينسبها لاسم لنوع ضخم من الحوت، معروف بالتهامه الحيتان الصغيرة في محيطه، كناية على أن قوة صوت النهام تلتهم كل الأصوات وتعلو عليها، فيصير الصوت الصداح، ويكتفي الآخرون بالترديد والهمهمات.

‪كان النهام ضرورة ملحة اقتضتها حاجة العمل البحري المجهد‬ (الجزيرة)

تتشعب تعاريف "النهمة" في ثنايا معاجم اللغة، وتتوحد في المفهوم الموسيقي على أنها صوغ فني غنائي ولون من ألوان الفلكلور الشعبي، الذي ارتبط برحلات البحر منذ زمن قديم، وغدا فنا بحريا بقواعده الموسيقية والشعرية، وتهيأت شروط استمراره بعد فترة الغوص لاستخراج اللؤلؤ، ليصبح أهم الفنون الشعبية في جلسات السمر والأمسيات والمهرجانات.

ولأهميته أصبحت تقام له مسابقات وجوائز، مثل "جائزة كتارا لفن النهمة"، التي تنظمها المؤسسة العامة للحي الثقافي بقطر سنويا، بهدف إعادة إحياء هذا الفن وحمايته من الاندثار.

لم يكن النهام مغنيا يؤدي وصلات ومقاطع غنائية لرغبة ذاتية فقط، وإنما كان ضرورة ملحة اقتضتها حاجة العمل البحري المجهد، ليسلو عن البحارة والعاملين في السفينة، ويجلو عنهم حالات التعب ويشحذ هممهم.

يقول الموسيقي والباحث في التراث الخليجي فيصل التميمي للجزيرة نت "كان النُوَخَذة (ربابنة السفن)، يتبارون في اختيار أجود النهامين في رحلاتهم، لأنهم يدرون أن النهام المجيد، وسيلة نفسية ترفع من أداء البحار وعمله، لأن هذا الأخير عندما يسمع نهمة حسنة، يتفاعل ذاتيا مع رسالتها، ويتجدد نشاطه، متجاوزا بذلك حالة العياء والرهبة والخوف، التي تتملكه خلال رحلة تستغرق أشهرا في خضم البحر، وفي غياب أي وسيلة ترفيه".

ويشير التميمي إلى أن النهام يستبطن نفسيات البحارة، فتكون بعض الحالات الاجتماعية موضوعا لمواويله وأغانيه، كما أنه يعد ضمير الحكمة، حيث يلجأ إليه قائد الرحلة، في مساعدته على حل مشاكل طارئة بين العاملين أو ليقضي بينهم في نازلة ما.

وخارج البحر، يضطلع النهام بدور ديني، فيؤذن ويؤم الناس في المسجد، لأن الأهازيج التي تصنع الأمل على ظهر السفينة، صادرة عن الصوت الندي نفسه، الذي يغذي النفس بالخشوع والسكينة في محراب الصلاة.

‪الباحث القطري فيصل التميمي: كان النوخذة يتبارون في اختيار أجود النهامين على رحلاتهم‬ (الجزيرة)

كان النهام لا يكلف بأي مهمة غير الغناء والترفيه عن النفوس الكليلة، ويعامل معاملة البحارة، فيأخذ أجرا كاملا، بل إن من قادة السفن من يدفع له أجر غواص إكراما لدوره، وقد يهبه إكرامية إضافية من حر ماله، تسمى "شرهة"، وغالبا ما يزيد نصيب النهام عن بقية البحارة بقسط يسير، جزاء عمله المهم، لكن هذا التكريم ينتفي في حال وجود "نُوخذة" غير مبال بدور النهام وأهمية الغناء في الرحلة، فيوكل إليه أعمالا أخرى مثل سائر البحارة، علاوة على مهمته الفنية.

ويكون الصدح بالنهمة في أحايين كثيرة وسيلة لإيصال التعليمات والأوامر إلى مجموع البحارة، ولذلك تخصص نهمات لتوجيه أعمال السفينة.

 وتبقى "النهمة" هي مفتاح العمل بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومختتمه بحمد الله والثناء عليه جل وعلا "أول بدينا بسم الله سمينا، صلوا على خير الأبرار، اللي زهت منه الأنوار، طه نبي ومختار، عليه أفضل صلاتي".

فنون العمل
خلفت حافظة النهامين في مجتمع الخليج، عددا كبيرا من النصوص الشعرية والغنائية، شكلت المتن الأساس في تصنيف هذه الفنون البحرية وتوصيفها، فقسمت الدراسات الفنون البحرية إلى فنون عمل تؤدى على ظهر السفينة، وفنون على البر للسمر بعد انتهاء رحلة الغوص وتسمى (الفجِري).

‪وصلات من فنون البحر في فعاليات جائزة كتارا لفن النهمة‬ (الجزيرة)

جغرافية فنية
رغم أن فن النهمة ينتمي إلى منطقة جغرافية واحدة، فإنه يختلف من حيث أداؤه وإيقاعاته، فيرى التميمي أن هذا الفن في الإمارات وعمان يؤدى بطبقة عليا شبيهة بالسوبرانو، لكن لها ارتباط بالموروث الأفريقي بحكم غالبية المغنين لهم أصول من زنجبار وأفريقيا، حتى أن أغلب الفنون في عمان مثلا "المديمة" و"اللوا"، هي فنون تختلف عن فن النهمة في قطر والكويت.

ويعزز هذا الرأي تصريح النهام العماني فارس العلوي للجزيرة نت "إن الفن البحري بعمان يختلف بشكل كبير عنه في قطر والكويت والبحرين على مستوى الألحان ووتيرة الإيقاع والوزن والآلات المستعملة، من قبيل "المسيندو" أو"الوقافي" العماني، الذي لايوجد في غيره من الفنون البحرية الخليجية، كما تختلف من حيث التسمية، فلا أثر لاسم "فن النهمة " بعمان وإنما الحضور التاريخي لفنون الشوباني والمديمة والكوارة".

وتكاد الفنون البحرية تتشابه في استخدام الآلات الإيقاعية من قبيل، الطارة (الدف الكبير) والطبل وهو نوعان "اللاعوب" ووظيفته زخرفة الصوت و"المخمر" ويشكل الوحدة الرئيسية للإيقاع ونغمة "الدم" والمرواس وهو طبل صغير له رنين صوتي مميز.

وآلة الطوس أو الطويسات وهي مصنوعة من النحاس مع تجويف في وسطها، و"الهاون" وهو من أدوات المطبخ ويستعمل كآلة إيقاعية في بعض الفنون، علاوة على الجحلة أو الجحال وهي زير الماء من الفخار، وتستخدم لاستخراج نغمة "الدُّم" العميقة بالضرب على فوهته.

‪النهام العماني فارس العلوي يشير إلى أن الفن البحري يختلف من بلد خليجي إلى آخر‬ (الجزيرة)

لا يقتصر فن النهمة أو ما يشبهه من فنون البحر على مجتمع دول الخليج، بل يسجل انتسابه إلى العراق بمحافظة البصرة ومنطقة الفاو.

وقد عمل الباحث العراقي سعد التميمي مدير فرقة الفنون الشعبية بالبصرة، على إحياء هذا الفن وتعزيز الاهتمام به وإرفاده بفنون خليجية، من خلال تلاقح التجارب في المهرجانات والحفلات التي تقيمها قطر والكويت في هذا الصدد، من أجل الحفاظ على هذا الموروث الذي يكاد يندثر في ظل تغير نمط العيش ورحيل الرعيل الأول والجيل الثاني لهذا الفن.

وبحكم متغيرات البيئة البحرية التي صار معها النهام حداء يؤدي النهمات ترفا تكميليا وليس وظيفة أساسية، إلا أن هذا الدور التكميلي يفضي إلى خدمة وطنية تضطلع بحفظ التسجيلات التراثية وتوثيقها، لتكون مادة فنية وعلمية للأجيال الجديدة، وبالتالي تعزز مكانة الفنون البحرية التراثية وتصون الذاكرة الشعبية من الاندثار.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تستمد أغاني المزود وموسيقاه التسمية من آلة المزود المشهورة بتونس التي تحظى بمكانة مهمة بين الأوساط الشعبية، وكل أغنية تعبر عن قصة مأساوية يتم التصرف فيها، ويصنع منها لحن فرح.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة