وديع سعادة يتفيأ شجرة "الأركانة" وينعى عالما بلا شعر

وديع سعادة يتفيأ شجرة "الأركانة" وينعى عالما بلا شعر

الشاعر اللبناني وديع سعادة (ثاني من اليسار) يستلم جائزة الأركانة من وزير الثقافة المغربي (الجزيرة)
الشاعر اللبناني وديع سعادة (ثاني من اليسار) يستلم جائزة الأركانة من وزير الثقافة المغربي (الجزيرة)

نزار الفراوي-الرباط

من مقامه الأسترالي البعيد، حلّ الشاعر اللبناني وديع سعادة بالعاصمة المغربية الرباط ليتفيأ ظلال شجرة "الأركانة" المغربية متوجا بجائزتها العالمية للشعر، ومنذرا بمصير عالم بلا جمال، بلا شعر.

على منصة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، أكبر صرح ثقافي في العاصمة، جاء صوت وديع سعادة، متهدجا وهو ينعى إنسانية تفقد إحساسها بالجمال يوما بعد يوم، وعالما طافحا بالعنف والإقصاء والعنصرية، داعيا إلى التمسك بحبل الشعر باعتباره صوت إدانة لكل المظالم والأعطاب.

ولم يفت الشاعر الذي يحمل وطنه في قصيدته، أن يسجل أن خريطة الجوائز الأدبية في العالم العربي تدير ظهرها للشعر والشعراء إلا في ما ندر، معتبرا أن جائزة "الأركانة" التي تستمد اسمها من شجرة فريدة تختص بها منطقة في الجنوب المغربي، تسد ثغرة في المشهد العربي والعالمي باحتفائها بالشعراء من مختلف المشارب والآفاق.

تمجيدا للغياب ونشيدا للعابرين
تحدث وديع قليلا، وفضل أن يتقاسم مع جمع حاشد من جمهور الشعر والمثقفين مختارات من قصائد نثرية جاءت شاهدة على حس إنساني عميق، وصوت لا يشبه أحدا، يمجد الغائبين والعابرين، ويرتل البعد عن الرفاق في قصيدته "رأيت رفاقي"، ويغوص في عوالم "بلدان غريبة" تنبت في رأسه، ويستنهض "ضمير الغائب"، ويهمس بأنين "الهجرة" والوطن الذي يصبح ذكرى، ويطلق "الصرخة" في وجه عالم يفقد توازنه.

فرقة موسيقية نشطت احتفالية تسليم جائزة الأركانة (الجزيرة)

بدا أن شعر وديع سعادة الذي أطل على وطن الشعراء عام 1981 بديوان "ليس للمساء أخوة"، لا يكتمل نصابه إلا بقراءته المنفعلة التي تنقل إلى جمهورها عدوى الإحساس بقوة الكلمات وصدقها، وانكسار الذات أمام عنف العالم واللغة، في نفس جنائزي يشيع أزمنة هاربة وأمكنة من الذاكرة وأحبة يغيبون واحدا بعد الآخر.

بهذا التكريم في دورتها الثالثة عشرة، يكون سعادة قد انضم الى ألبوم صور الجائزة، الحافل بأعلام القصيدة عربيا ودوليا. بدأت مع الصيني بي ضاو عام 2002، وتواصلت مع أسماء ثقيلة من عيار الفلسطيني محمود درويش والعراقي سعدي يوسف والمغربي الطاهر بنجلون والأميركية مارلين هاكر والفرنسي إيف بونفوا والألماني فولكر براون، وصولا إلى متوج الدورة الماضية شاعر الطوارق محمرين خواد.

قصيدة نثر مطبوعة بالطفولة والبراءة
رئيس بيت الشعر في المغرب مراد القادري، الذي أسس الجائزة، تحدث عن شعر وديع سعادة المسكون بالطفولة والبراءة الصادمة والمدهشة، عن ذلك الخطو المشدود إلى قريته اللبنانية "شبطين"، كأن صاحبه لم يهاجر ويتغرب في عواصم العالم، ويترك ماضيه وراءه، ليجده أمامه مثقلا بالحنين، يدعوه لاسترداد ظله واستعادته من الخراب والفراغ والاقتلاع من الأرض والهواء.

تمجيد الغياب والعابرين، يقول القادري، ليست الخصيصة الوحيدة في المنجز الشعري لابن الشمال اللبناني، الذي عمل في الصحافة العربية في بيروت ولندن وباريس وأثينا ونيقوسيا، قبل أن يهاجر إلى أستراليا أواخر 1988، فثمة الكثير من الحالات والمعاني الوجودية التي تطل من متنه: الذكرى والحيرة، الموت والفجيعة، العبث والسخرية، الحرب والهجرة.

أما لجنة تحكيم الدورة فبررت تتويج الشاعر اللبناني الذي سيكون له خلال رحلته المغربية موعد شعري آخر في إطار المعرض الدولي للكتاب والنشر بالدار البيضاء، وثالث في طنجة، بإسهامه في إحداث انعطافة في مسار قصيدة النثر العربية، وفتحها على أفق كوني يحتفي بالشخصي والإنساني والحياتي.

وديع سعادة أمام ملصق احتفالية الجائزة بالمكتبة الوطنية للرباط (الجزيرة)

وقال الشاعر حسن نجمي في قراءته لتقرير اللجنة "في مزيج مكثف، مدهش، من البلاغة الرومنطيقية المتأخرة، ومن الفانتازيا، ومن الشذرية، ومن السردي والسير ذاتي، يقطر وديع سعادة نصوصه بلغة شديدة الصفاء، محاولا إعادة تركيب الحياة، ممجدا الغياب والعابرين، في قلق وجودي عميق، آسر، يضيء العدم ويعانقه، ويؤنسن الطبيعة والأشياء".

لقد استعادت اللجنة سيرة شاعر أعلن مبكرا انكسار زجاجة العالم في يده، دأب على بناء عوالمه، وشروخ ذاته، داخل الهشاشة، والحلم، والوهم، والنبرة الخافتة، والحكمة، والجنون، وضجيج الصمت، وحطب الذكرى، ملاحقا الأثر الذي يذوب ويزول. 

صاحب "قل للعابر أن يعود، نسي هنا ظله" (2012)، الذي صدرت أعماله الشعرية الكاملة عن دار النهضة العربية عام 2008، حصل سنة 2011 على جائزة ماكس جاكوب الفرنسية الشهيرة عن الأنطولوجيا التي أعدها له وترجم نصوصها أنطوان جوكي، وصدرت عن دار "أكت سيد" الباريسية حيث ضمت مختارات من مجاميع وديع سعادة بمقدمة للشاعر صلاح ستيتية.

وبمناسبة تتويجه بالجائزة، أصدر بيت الشعر في المغرب مختارات شعرية لوديع سعادة، أعدها الشاعر المغربي نجيب خداري تحت عنوان "الذي عبر اسمه". على ظهر الغلاف، أضاءت كلمات الشاعر "كتب اسمه على الحائط كي يتذكر العابرون أنه مر من هنا.. كتب اسمه وذهب...وحين عاد.. حاول عبثا أن يتذكر.. من هو هذا الاسم المكتوب على الحائط".

المصدر : الجزيرة