عمرو موسى وسلماوي وآخرون.. لماذا التناص مع القرآن الكريم؟

عمرو موسى وسلماوي وآخرون.. لماذا التناص مع القرآن الكريم؟

محمد ثابت

اختار الأديب المصري محمد سلماوي لسيرته الذاتية عنوان "يومًا أو بعض يوم" في تناص مع الآية القرآنية "قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العَادِّينَ". وقبله أصدر الدبلوماسي المصري عمرو موسى سيرته تحت اسم "كتابيه"، في تناص مع قول الله تعالى "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ".

ومن قبلهما كتب الروائي السعودي عبده خال "ترمي بشرر"، وهو عنوان يحيل إلى الآية القرآنية الكريمة "إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصْرِ". وقبله اختار الكاتب المصري الراحل فتحي غانم (1924-1999) رواية "تلك الأيام" مقتبسا اسمها من قوله تعالى "وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ".

وحول التناصّ مع القرآن الكريم في تلك الأعمال وغيرها، تختلف آراء المثقفين والأدباء المصريين، وتتباين تقييماتهم له ولضرورته.

وليد كساب: ليس ضروريا أن يكون العنوان معبرًا عن اتجاه صاحبه (مواقع التواصل)

رمزية وإيهامية
عضو اتحاد الكتاب المصريين وليد كساب يرى أنه ليس ضروريا أن يكون العنوان معبرًا عن اتجاه صاحبه أو ثقافته أو مكونه الفكري. ومن الوارد أن يعمد الكاتب إلى الإيهام فيختار عنوانًا مثيرًا وملغزًا يبدو للوهلة الأولى منفكًّا عن موضوع الكتاب، بل إن بعض المذكرات تُكتب بأيدي غير أصحابها وتخضع للتحرير والتنقيح من جانب بعض المحترفين.

ويؤصل كساب لعناوين أدبيات السير الذاتية الحديثة عامة، ويقسمها إلى قسمين: عناوين مباشرة وواضحة، وأخرى رمزية، وفي حالتي سيرة موسى وسلماوي اختلف الأمر عن هذا وذاك.

حب الانتشار
أما الروائي كارم عبد الغفار فيعرف التناصّ بأنه حيلة أدبية يستنجد بها الكاتب لإضفاء ثِقل على اختياراته اللفظية وتراكيبه وصياغاته، وذلك من خلال النسخ المباشر أو شبه المباشر من نص قديم منتشر، وهو تقليد قديم متجدد له دلالة فكرية عميقة أكثر منها لغوية، والأمر له خصوصية مع القرآن الكريم تساوي حضوره في نفوس بعض الكُتّاب والروائيين المعاصرين.

ويتساءل عبد الغفار عن خلفية ذلك التناص في حالتي سلماوي وموسى، ويفسر ذلك بأن الآيات القرآنية "حاضرة بقوة في الذهنية العربية بعامة، ولها طغيان معرفي كبير يصل حتى إلى العلمانيين".

الروائي والقاص عصام عبد الحميد يتساءل أيضا عن سبب لجوء هؤلاء إلى التناصّ مع النص القرآني، ويقول إن الأمر "حمّال أوجُه، ولا عجب أن يأخذ هؤلاء من كتاب الله، فهو ملك للجميع بتأثيره البلاغي على عقولهم، وربما كان الأمر نوعًا من الوجاهة الدعائية لا أكثر".

الكاتب والناقد أسامة أبو طالب (مواقع التواصل)

اللفظ والمرجعية
الباحث خالد جودة يربط بين عنواني سيرتي سلماوي وموسى وبين عمق الدلالة التعبيرية، فالعنوانان يشيران إلى مفردات أُخروية تستدعي موقفا منصفا يستند إلى عدالة مطلقة، من هنا جاءت قوة انتقاء العنوان في موقف خاص أدبي صريح.

وفي عنواني الروايتين الخياليتين نجد اتساع دلالة العنوان على رحابة فنية الرواية، فـ"تلك الأيام" لفتحي غانم تشير إلى تأثير الزمن في الشخصية وقوسها العاطفي وتبدّل العصور، في حين يحمل عنوان رواية "ترمي بشرر" لعبده خال تدخلا فكريا للتعبير عن النحر الطبقي البالغ الشراسة.

السياق الصحيح والإيهام
الشاعر والروائي عبد الحميد ضحا يرى أن لدينا في العالم العربي مشكلةً كبرى، إذ إن بعض الكتاب والمثقفين مشوَّشو الهوية، يغيِّرون مبادئهم دون أن تطرف لهم عين، فالأصل افتخار من يقتبس نصًا قرآنيا بدينه وهويته، ومخالفة البعض لذلك يُخشى معها الإيحاء بالمناظرة والمماثلة اللغوية وصولًا لمضمون غير جيد، وإن كان خالد جودة يربأ بالكاتب والمثقف أن يسلك مسالك التخييل والإيهام.. وإلا سيكون موضع اتهام، أقلُّه ترويج سلعته.

أما الشاعرة محبوبة هارون فتؤكد على أهمية حسن استخدام الألفاظ القرآنية في مضامين السير الذاتية والروايات والتناصّ مع الكلمات القرآنية بخاصة في هذه الفترة العصيبة من عمر الأمة، بحيث لا تكون العناوين سواتر لأمور أخرى في نفوس بعض المؤلفين والكتّاب.

الشاعرة محبوبة هارون (مواقع التواصل)

في المقبل يؤكد الروائي والناقد وليد الوليلي أن الكاتب لا رقيب عليه إلا نواياه التي يطلع عليها رب القلوب، فلا يملك أحد مصادرة إبداعه، والأدب بطبيعته تعبير عن تجربة خاصة للكاتب، لذلك يجب أن يستشعر الكتّاب الأمن حين يخطون حروفهم، إذ لا يثمر إبداع تحت رهبة سيف مسلط.

استلهام جميل وحفظ للقدسية
وبشكل عام يقول الكاتب والناقد الأكاديمي أسامة أبو طالب إنه يحترم التناصّ مع النص الديني سواء أكان إسلاميا أو مسيحيا، أو حتى إن جاء التناص مع نصّ قديم.

وعن الكتب الأربعة المشار إليها في هذا التقرير، يقول إن التناصّ خدم أغلبها، فموسى اختار "كتابيه" وهو لفظ قرآني به تناغم موسيقي، و"يومًا أو بعض يوم" لسلماوي تشير لقصر الحياة التي عاشها، و"ترمي بشرر" عمّقت من مفهوم التأثير السلبي للظاهرة التي يتحدث الروائي عبده خال عنها.

المصدر : الجزيرة