القامشلي.. شغف القراءة وسوق الكتاب زمن الحرب

حضور لبعض الكتاب بحديقة القراءة بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا (الجزيرة)
حضور لبعض الكتاب بحديقة القراءة بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا (الجزيرة)

شفان إبراهيم-القامشلي

احتضنت شوارع القامشلي (شمال شرقي سوريا) حلم الشابين الكرديين عباس موسى وعبدو شيخو بإنشاء فسحة للقراءة والمطالعة، يعرضان فيها الكُتب والمنشورات الثقافية والعلمية حيث افتتحا بحيّ السياحي مقهى الكتاب
"بنداروك" وتعني مكان النزهة بالكُردية، وأطلقا مشروعا لبيع الكُتب برأسمال قدره ألف دولار.

وافتتح الشابان المكتبة بقسمين، أحدهما للبيع والآخر للقراءة والكتابة وتشجيعاً لأصحاب الدخل المحدود، ويوفران للباحثين والدارسين "الكتب والمجلات العلمية والبحثية وخاصة دور النشر العالمية والإقليمية وحتى المحلية التي كانت تُمنع من الوصول إلى مدينتنا".

في وقت لجأ غالبية أقرانهما للهجرة أو العمل في التجارة، استسلم عباس وعبدو لهوس الثقافة والفكر، وذلك رغم ضعف التمويل وصعوبة الحصول على الكتاب بدون ضمانات مالية. ورغم ذلك لم يجد اليأس طريقا إليهما حيث بدآ في الحصول على الكتب بالتقسيط من كُردستان العراق ودمشق، ودور النشر الكُردية في تُركيا.

أكثر الأشياء التي فقدت قيمتها بالحرب كانت الكُتب والمطالعة والكتّابة، وعدم اهتمام الأحزاب السياسية بالفكر والعلم، ومع نشاط حركة المطاعم والأفران، فإنهما تمسكا بحلم تنشيط الحركة الثقافية لأن "الكتّاب مثل الخبز، يجب ألا ينقطع عنه أحد" لكن المؤسف أنه لا أحد من السياسيين حضر افتتاحية المكتبة الثقافية، ولا يُعيرون الموضوع أهمية.

‪ناشطون محليون حولوا الحديقة لفضاء للقراءة‬ ناشطون محليون حولوا الحديقة لفضاء للقراءة (الجزيرة)

ويتحسر عباس لغياب "الكتب باللغة السريانية التي تتحدث عن تراثهم وتاريخهم" بمكتبته التي تضم حوالي ألفي عنوان من مختلف اللغات والاتجاهات والمذاهب الفكرية والفلسفية والأدبية.

من البسطات للمكتبة
بعد انتسابه لكلية العلوم (قسم الرياضيات) بجامعة دمشق عام 2006 كان أذاد داود (34 عاما) يحمل حزمة من الكتب الثقافية والرياضية والفكرية من سكنه الجامعي في حيّ الطبالة، ليفترش إحدى زوايا شارع الحلبوني بالعاصمة لتغطية نفقات دراسته وولعه بالقراءة وحبه للكتب، يُنادي بالمارة طالباً منهم الشراء لأهميتها.

لكنه عاد إلى مدينته بعد ست سنوات قضاها في العمل، يقول "اضطررنا للهروب من دمشق، نتيجة الأوضاع الأمنية السيئة، لكن شغفي بتحقيق حلمي لم يتوقف، وافتتحت مكتبة خاصة لبيع الكتب".

ولم تكن منطقة ديرك شمال شرق سوريا تحتوي على مكاتب خاصة لبيع الكُتب الفكرية مما دفعه لافتتاح مكتبة "منيسا".

ويتأسف أذاد لضعف الإقبال خلال الأعوام الأخيرة في ظل الحرب، ويقول "الحرب والخوف والفقر أبعدت الناس عن شراء الكتب" ونتيجة الخشية من إمكانية نشوب حرب جديدة يسعى الناس لشراء الطعام أكثر. ويعزو سبب غلاء أسعار الكتب إلى أسعار شرائها من دور النشر ورسوم الشحن.

‪رفع الستار عن تماثيل حديقة القراءة‬ رفع الستار عن تماثيل حديقة القراءة (الجزيرة)

يتنهد قليلاً ثم يُخرج دفتراً من دُرج طاولته دون عليها آراءه في حماية سوق الكتاب، ويقول "لابد من إنشاء مكتبات للقراءة ضمن المؤسسات الرسمية دعماً لبقاء وترويج القراءة والمطالعة واقتناء الكُتب، واشتراط قراءة وشرح الطلبة لبعض الكُتب في المدارس والجامعات كأحد شروط النجاح للعام الذي يليه".

حديقة مُدمرة منتزه للقراءة
كحال جميع المرافق العامة، فإن الحدائق هي الأخرى لم تحظ بالاهتمام المطلوب طيلة العقود الماضية فـ "نركض ونلعب الغميضة هنا، لا أعرف ماذا يُريد هؤلاء الذين يحملون الكُتب ويتكلمون كثيراً" هكذا يقول جوان (15 عاما).

فقد أقدمت هيئة مثقفي الجزيرة بمدينة القامشلي على تخصيص الحديقة للقراءة، حيث يلتقي الزائر في مدخل الحديقة مع تماثيل أبرز رواد الفكر والكتابة والشعر الكُردي.

‪جانب من مكتبة بنداروك وتعني مكان النزهة بالكُردية‬ جانب من مكتبة بنداروك وتعني مكان النزهة بالكُردية (الجزيرة)

وتقول ليلى إبراهيم الرئيسة المشتركة للاتحاد "لم يكن يتردد على الحديقة سوى الأطفال، فقررنا الاستفادة منها خدمة للمجتمع وللمثقفين خاصة" في مسعى لتنشيط حركة القراءة خاصة بين الجيل الجديد.

لكن الناشط جندار بركات يشكك في هدف تلك المبادرة، ويقول إن غايتهم هي الدعاية، والقائمون على المشروع غير صادقين في نواياهم، فقد أغلقوا المركز الثقافي في الحسكة والذي ضمَ أكثر من ألفي عنوان.

وينتقد جمال الوالي (52 عاما) فرض كُتب مدرسية على الطلاب، وتشجيع القراءة بطريقة أخرى قائلا "اليوم أبنائي مُلزمون بقراءة كُتب ومناهج ليس لنا علاقة بها، فكيف يدعون تشجيع القراءة؟".

وتبتسم ليلى إبراهيم متقبلة الآراء المناهضة للمشروع، وتقول إنه "لابد للمثقفين أن يلتزموا بالقرارات وقوانين الإدارة الذاتية، وأي مشروع لابد أن ينال الترخيص أو منع العمل" وتعتقد أن قضية المناهج لا تتعلق بحديقة القراء والمكتبات لأن "القضية تتعلق بجهات أخرى، لكن لا يمكن تشبيه القضيتين ببعضهم".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تعرض حاليا بلبنان مسرحية سورية بعنوان “بينما كنت أنتظر”، تتناول الأزمة السورية من خلال مأساة إحدى العائلات بشكل يعكس الوضع المعلق للسوريين -سواء بالداخل أو الخارج- في انتظار مآلات الحرب.

لا يخاف الاستبداد أكثر من صوت المثقف الحر وقلمه، وريشة فنان مناضل من طينة يوسف عبدلكي. يرسم ابن القامشلي الجمال والحرية وينبذ القبح والقمع، انحاز خلال الثورة إلى الناس والحرية، ومثل صوت احتجاج هادئا حاولت أجهزة الأمن السورية أن تخرسه بالاعتقال.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة