مخرجون وتجارب.. ذاكرة المسرح المغربي وسؤال التوثيق

المسرحي المغربي عبد الجباز خمران يوقع "مخرجون وتجارب في المسرح المغربي" (الجزيرة)
المسرحي المغربي عبد الجباز خمران يوقع "مخرجون وتجارب في المسرح المغربي" (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

في جو شاعري مزين بالشموع والورود، وممزوج بعبق تاريخ دار الشريفة الأثرية بالمدينة القديمة لمراكش، بدا المسرحي عبد الجبار خمران الأربعاء فخورا وهو يقدم للكتاب الذي أعده له، وشارك فيه نخبة من النقاد، وحمل عنوان "مخرجون وتجارب في المسرح المغربي المعاصر".

فخر هذا المسرحي الشاب لم يمنعه من البوح ببعض ما رافق مغامرته في النشر، فالأمر لم يكن نزهة في حديقة، وإنما هو عمل وقعت بذرته في نفسه قبل ثلاث سنوات، قبل أن ينمو شيئا فشيئا في رحم التحدي إلى أن اكتملت معالمه ليرى النور حديثا.

يقول خمران نهاية حفل توقيع الكتاب للجزيرة نت "دفعني حبي للتوثيق، كما تعلمته في تجارب أجنبية، إلى تبني هذا المشروع الذي أثمر كتابا بتمويل خاص".

تقديم
تحول حقل التوقيع إلى مساءلة غياب التوثيق في المسرح العربي عموما والمغربي بالخصوص. ولا تجد في المكتبة المغربية والعربية كتابا يتحدث عن تجربة المخرج، كما هو حاصل في أوروبا -يبرز خمران- مضيفا أن الكتاب هو إلقاء حجر في بحيرة راكدة.

ويشير إلى أن منجزه تجربة توثيقية لأسماء مسرحية لم تحظ بالمتابعة عن قرب، وهي موصولة بجيل من الرواد ممن يعرفهم المتتبع العربي ومنهم الراحل الطيب الصديقي، وعبد الحق الزروالي، وعبد الكريم برشيد وغيرهم.

ويبرز أنه نادرا ما يتم رصد ما يقع داخل المطبخ المسرحي بكل تفاصيله، من بداية الفكرة إلى تقديم العرض المسرحي في شكله النهائي، مرروا بكل تلك التفاصيل الدقيقة أثناء الكتابة والسينوغرافيا وإدارة الممثلين خلال التدريب.

‪حفل التوقيع بمدينة مراكش‬ حفل التوقيع بمدينة مراكش (الجزيرة)

المسرح يتحدث عن نفسه
"جميل أن يلتفت المسرح إلى نفسه بعدما كان يتحدث عن غيره" شقت هذه الجملة من كلام الناقد المسرحي محمد زهير طريقها ووصلت إلى قلب من حضروا هذه الأمسية النقدية.

ودعا زهير -وهو يتحدث للجزيرة نت- إلى أن يصبح التوثيق مؤسسيا تنخرط فيه وزارة الثقافة ووزارة التعليم وغيرهما، وليس فقط مبادرات شخصية. ويشير متأسفا إلى أن البحث العلمي يصطدم بغياب الوثائق، مما يجعل الأستاذ المؤطر والطلبة الباحثين في "حيص بيص".

ويضيف أن الكتاب مساهمة في التوثيق ومد الجسور بين أجيال المسرح، معتبرا أن أبا الفنون نهر متدفق بدون قطيعة، فيه امتدادات وتجارب وحساسيات ورؤى مختلفة حسب شروط كل جيل وكل ممارسة مسرحية.

وكشف خمران أن هناك مشروعا كبيرا لتوثيق المسرح المغربي بتعاون بين النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية والهيئة العربية للمسرح، ودخلت وزارة الثقافة للمساهمة بشكل مضاعف في تمويله، وهو مشروع سبق في الأردن وتونس.

بدوره يرى المسرحي إبراهيم الهنائي -في تصريح للجزيرة نت- أن المكتبة العربية تفتقد، وباستثناء النصوص، إلى الشهادات والبحوث التي تجعل المسرح أيضا ذاكرة حية لا متحفية تفوح منها رائحة التلاشي.

ويؤكد أن التوثيق الفعلي لبنة في صرح الذاكرة المستقبلية، يتطلب المتابعة على مراحل ثلاث، قبل العرض وخلاله وبعده، مبرزا أنه على سبيل المثال يمكن التأسي بالتجربة الفرنسية في المجال من خلال المجلدات التي وثقت لهذه التجربة، والتي تقارب ثلاثين جزءا، وساعدت على التعرف على كبار المخرجين بهذا البلد، بل وساهمت في تطوير تجربته المسرحية.

‪الهنائي: المكتبة العربية تفتقد شهادات تجعل المسرح ذاكرة حية‬ الهنائي: المكتبة العربية تفتقد شهادات تجعل المسرح ذاكرة حية (الجزيرة)

عودة إلى الكتاب
اختار خمران أن يتحدث بهذا الكتاب عن تجارب في المسرح المغربي المعاصر. ويشير في تقديمه إلى أن الأسماء المختارة مشهود لها بالحضور بالساحة المسرحية، وتحقيق تراكم جدير بالتناول النقدي والبحث المعرفي. وتنتمي هذه التجارب إلى ثلاثة أجيال تداخلت منجزاتها الفنية زمنيا وتقاطعت جماليا في تشكيل المشهد المسرحي المغربي.

وفي المقدمة لم يفوت الناقد المسرحي البارز حسن المنيعي الفرصة -وهو يتحدث عن التجربة المغربية- للإشارة بقوة إلى الرواد وأهمهم الطيب الصديقي.

ويقول المنيعي (مؤسس الدرس المسرحي برحاب الجامعة) إن هذا المسرحي "الفذ" عمد إلى التعامل مع التراث العربي، وقد قاده إلى إعداد فرجات تستند صيغتها إلى مفهوم الفن الشامل الذي يقف على أصوله في تنظيرات ريشار فاغنير عن الإنتاج الفني المستقبلي، والذي يفرض توحد عدة فنون لإنتاج الحدث المسرحي، والذي سيعمل بعض المخرجين الكبار على مناقشة جوهره وتطبعه بتصورات فردية مثل غوردن غريك وبرتولد برشت.

وقد أثر أسلوب الصديقي -وفق المنيعي- على عدد من الهواة الذين شعوا منذ منتصف السبعينيات لتحديث ممارستهم من خلال إعادة النظر في كتابة النص، والتي لم تعد خطية بقدر ما أصبحت متفجرة تراعي التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.

ويؤكد المنيعي أن الإخراج المسرحي المغربي عالم متسع الآفاق تتقاطع فيه عدة ثقافات مسرحية، كما يتوفر صانعوه على طاقات إبداعية أتاحت لبعضهم تحقيق انفجارات هائلة على مستوى الكتابة الإخراجية في علاقتها الوطيدة مع السينوغرافيا وإدارة الممثلين.

سجلات إبداعية
إضافة للتقديم والمقدمة، اشتمل الكتاب على 11 مقالة بحثية لكوكبة من الباحثين والنقاد والمسرحيين الذين تناولوا 11 تجربة إخراجية لأسماء مبدعين ومبدعات ينتمون إلى أجيال مختلفة، وتندرج أعمالهم المسرحية ضمن سجلات إبداعية تنوعت مناهجها الفكرية ورؤاها الجمالية.

وتنوعت المقالات بتنوع منهجية الباحثين في تناول المنتوج الإبداعي المعني بالدراسة واختلاف زوايا التقاط التجربة الفنية موضوع البحث.

فمن مقالات -يوضح خمران- تستقصي المكونات الجمالية والمنطلقات الفكرية، إلى مقال اعتمد صاحبه أسلوب الحوار طريقا قبل صياغة مفاهيم معرفية لرصد التجربة، مرورا بمقالات تظهر أهم تفاصيل مسار فرقة واشتغالات مخرجها، وأخرى تستند إلى إبراز الخطوط العريضة للعملية الإخراجية عند هذا المبدع أو ذاك.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في منتصف عقده السابع، لا يزال الناقد والمسرحي المغربي عبد الكريم برشيد غارقا في هموم المسرح ومنحازا للإبداع وللسؤال المسرحي والفكري. وفي هذا الحوار نناقش عدة قضايا ترتبط بالمسرح.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة