بعد إهمال طويل.. الحياة تدب في مسرح سيرفانتس بطنجة

بعد إهمال طويل.. الحياة تدب في مسرح سيرفانتس بطنجة

عندما تخلّت عن المسرح اشترطت إسبانيا على المغرب أن يرممه وفق معايير دولية في الحفاظ على التراث (مواقع التواصل)
عندما تخلّت عن المسرح اشترطت إسبانيا على المغرب أن يرممه وفق معايير دولية في الحفاظ على التراث (مواقع التواصل)

  وصال الشيخ-طنجة

فرح أهل مدينة طنجة شمال المغرب لسماعهم بقرار تفويت مسرح سيرفانتس التاريخي من طرف إسبانيا للحكومة المغربية بعد توقيع بروتوكول رسمي مؤخرا بين الدولتين، مثل إنقاذا أخيرا لمسرح مظلم وموحش يفتقد للإضاءة وجدرانه مسنودة بأعمدة خشبية وكراسيه محطمة ومكوّمة قبل أن يسقط مؤخرا تمثال الطفل الذي يعلو المسرح.

في واجهة مزركشة، توجد شاهدة صفراء بجمالية فريدة كُتب عليها "مسرح سيرفانتس 1913" في إشارة إلى العام الذي بُني فيه وتحتها بقليل حُفرت هيئات بشرية إغريقية يعزفون ويمجدون الحكمة.

واشترطت إسبانيا عندما تخلّت عن المسرح أن يُرممّ وفق معايير دولية في الحفاظ على التراث، ورغم حالة الإهمال المزرية التي عاشها المسرح سنوات طويلة وهو في ملكية إسبانيا، فإن وزارة الثقافة المغربية صنّفته على لائحة تراثها المحلي منذ 2007، مما حماه على الأقل من مافيا العقارات في المدينة.

هذا القرار الذي وُقّع على مستوى ملكي بحاجة لنفس طويل لمناقشته في البرلمان الإسباني، غير أن إسبانيا تشرف حاليا على انتخابات عامة في أبريل/نيسان المقبل وفق ما أعلنه رئيس حكومتها بيدرو سانشيز مساء الجمعة الماضي.

كما أن البرلمان المغربي سيناقش إقرار ميزانية ضخمة لترميم المسرح بمعايير دولية في وقت يُبنى فيه مسرح ملكي بطنجة، بطاقة استيعابية تصل إلى 1400 مقعد بحجم مسرح سيرفانتس.

تفويت أم توريط؟
ناقشت ندوة نظمها مركز ابن بطوطة للدراسات وأبحاث التنمية وعُقدت الجمعة الماضي بطنجة بعنوان "تفويت أم توريط" بحضور خبراء في ترميم الآثار ومهتمين بالشأن الثقافي وممثلين رسميين.

ويعود تاريخ المطالبة بترميم المسرح منذ التسعينيات، يقول رشيد تفرسيتي رئيس جمعية "البوغاز" أن "جمعية تضم مغاربة وإسبان تأسست بهدف وضع دراسة علمية وميزانية لترميم المسرح وناقشناها آنذاك مع القنصل الإسباني العام، لكنّ حالات التوتر السياسي التي مر بها البلدان حالت دون الاهتمام به".

يونس الشيخ علي يحمل صورا نادرة لفرقة مسرحية قدمت عرضا بسيرفانتس (الجزيرة)

ومن موقعه في مدريد، ينظر أيمن الزبير مدير مكتب الجزيرة للقرار بإيجابية، ويقول إن القرار رغم التشكيك فيه إيجابي وجاء نتيجة مفاوضات لسنوات طويلة، كان آخرها في عهد رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الإله بنكيران.

وبين أن تغيّر الأوضاع ومنها الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إسبانيا ونيّة رئيس حكومتها التعاون مع المغرب، لعبت دورا كبيرا في قرار التفويت رغم انتقاده في وسائل الإعلام اليمينية.

ويحكم قرار التفويت شروط عدة وفق الزبير، منها شرط ترميمه واستخدامه في الجانب الثقافي واستعادة المبنى في عكس ذلك، ضمانة وحرصا عليه من مافيا العقارات بطنجة.

زار أحمد الطلحي ممثل التكتل الجمعوي بطنجة الكبرى مسرح سيرفانتس وقد عُبث به كثيرا، وقد نُقلت بعض منحوتاته الفريدة إلى مدريد، واقترح في هذا السياق حماية المسرح وفق أربعة مستويات هي: القانونية والعقارية الوظيفية والتقنية، واعتبر أن القرار ليس توريطا لأن المدينة تمتلك تراثا نوعيا، مقترحا تأهيل المسرح معماريا وعمرانيا.

متفائلون.. متشائمون
انقسم الحاضرون في ندوة "تفويت أو توريط" إلى متشائمين يجدون أن المسرح الآيل للانهيار بحاجة إلى إعادة إعمار من البداية بإزالة مباني الصفيح والمحلات التجارية من حوله وإعادة فتح طرقه القديمة، ومتفائلون من كبار السن الذين شكّل لهم المسرح جزءا هاما من ذاكرتهم الثقافية والنضالية ضد الاستعمار في أربعينيات القرن الماضي.

ويرون أن المسرح قد عُرضت فيه أمسيات شعرية مصرية وشامية إضافة لمسرحيات مغربية من قبيل "لست خائنا" للفرقة الطنجاوية دعاة الفن.

ويحكي المهتم بجمع ذاكرة طنجة يونس الشيخ علي للجزيرة نت أن الفرق المغربية مثل فرقة الهلال استطاعت أن تجد مكانتها فوق المسرح الذي كانت تقصده الطبقة البرجوازية التي عاشت في عهد طنجة الدولية.

  العربي المصباحي يقر إشكالية تسليم المسرح وإدارته (الجزيرة)

وقال إن الفرقة المسرحية الكوميدية قدمت عروضها على المسرح بمناسبة المطالبة بالاستقلال أو العمل الخيري والثقافي، وإنها قدّمت أيضا المسرحية الكوميدية "حشّوم وعياش والزومبري" عروضا إبداعية قبل أن يقفل المسرح نهائيا في أواخر السبعينيات.

بعد تاريخي
بُنيت قاعة سيرفانتس في 1911 من قبل رجل أعمال إسباني عاش بطنجة وافتتحه في 1913، وكانت بنايته تطلّ على البحر قبل أن تحجبه البنايات الحديثة، ومثّل فسحة ثقافية فنية وزاره ممثلون، منهم المصري يوسف وهبي، وفنانون أجانب مثل مغني الأوبرا  الإسباني الشهير أنطونيو مورينو في أربعينيات القرن الماضي.

ويعوّل أهل طنجة على سيرفانتس برمزيته التاريخية بأنه سيعيد الاعتبار لمدينتهم القديمة باعتباره ذاكرة خاصة بهم، ويطالبون بحركة ثقافية تنطلق منه ليعود للمدينة رونقها الفني.

ويقول المحافظ الجهوي للتراث الثقافي "العربي المصباحي" للجزيرة نت إن المحافظة الجهوية للتراث لم تبلغها معلومات حول الجهة التي ستستلم المسرح بعد قرار التفويت وتظل الإشكالية في التكلفة الباهظة لإعادة تأهيل المجال العمراني والاجتماعي، إضافة إلى إشكالية تسليمه وإدارته في وقت يُبنى فيه مسرح ملكي يتسع لـ 1400 مقعد.

المصدر : الجزيرة