جدار ترامب المثير.. كيف تكرر أميركا خطأ الإمبراطوريات العظمى؟

الرئيس الأميركي مصر على بناء جدار على الحدود مع المكسيك (رويترز)
الرئيس الأميركي مصر على بناء جدار على الحدود مع المكسيك (رويترز)

عمران عبد الله

فنيت الحضارات القديمة لكن بقيت أسوارها التي لم تمنع انهيارها من الداخل، فمن سور الصين العظيم البالغ طوله 2400 كيلومتر إلى أسوار روما القديمة وبريطانيا العصور الوسطى وحتى جدار برلين والأسوار السوفياتية لم تفلح الأسوار في الحفاظ على الإمبراطوريات الكبرى وانتهى المطاف بأغلبها معالم سياحية.

ويبدو أن الولايات المتحدة ليست استثناء، فالنقاش الجاري بشأن جدار الرئيس دونالد ترامب وقضايا الهجرة تكاد تكون تكرارا لأخطاء تاريخية كبرى أسهم بعضها في إسقاط إمبراطوريات عظيمة من روما إلى بريطانيا.

ويقول مؤرخون إن الكثير من الدروس التي يمكن تعلمها من تاريخ الأسوار والجدران لا يتم الالتفات إليها بما في ذلك آثارها على الهجرة والبيئة والتاريخ وحتى الحيوانات.

وفيما يلي عرض لمصير مجموعة من أهم الجدران الإمبراطورية التي تم تشييدها عبر التاريخ لحماية المدن العريقة الكبرى.

سور الصين العظيم
اعتبر سور الصين العظيم الجدار الأكثر شهرة في العالم وفي التاريخ، وهو كذلك أحد أقدم الجدران، إذ تم بناؤه في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد للدفاع ضد الغزاة المغول.

ويبلغ طول السور 6700 كيلومتر، أي أضعاف جدار ترامب على الحدود الأميركية المكسيكية، ليصبح مشروعا دفاعيا عسكريا هائلا بذل فيه الصينيون الكثير من العرق والدماء.

‪جزء من سور الصين العظيم‬ (الأوروبية)

وتسبب الجدار أحيانا في منع تدفق الهجرة والتجارة، وفي نهاية المطاف لم تتوقف محاولات الغزو والحروب، لكن تلك المحاولات كانت أكثر بشأن الطلب المكبوت على الهجرة والتجارة، ثم التوسع الإقليمي.

يبلغ ارتفاع الجدار خمسين قدما في بعض المناطق، أي أكثر من ضعف الجدار الحدودي الذي اقترحه ترامب، وهو اليوم أحد المعالم السياحية الرئيسية وعجائب الدنيا وموقع للتراث العالمي حسب تصنيف اليونسكو.

الجدار البريطاني والبحث عن عمل وتمويل للجنود
الجدار التاريخي الثاني هو سور هادريان الذي يعد معلما سياحيا في الوقت الراهن، وتم بناء هذا السور والتحصينات شمال إنجلترا بأمر من الإمبراطور الروماني الراحل هادريان بعد وقت قصير من وصوله إلى السلطة عام 117 م، لمنع الغزو من قبل قبائل بربرية مختلفة في الشمال وكجزء من سياسة الإمبراطور الدفاعية والتحصينية بدلا من سياسة التوسع المستمر.

ولهذا يمثل الجدار نقطة تحول تاريخية نحو زوال روما، فقد اندلعت أشكال مختلفة من التمرد في الإمبراطورية، بما في ذلك إنجلترا نفسها، وقد صممت هذه السياسة الجديدة للتعامل مع هذا الواقع الجديد من التراجع الإمبراطوري.

وهناك العديد من النظريات بشأن بناء الجدار، بما في ذلك منع الغزو، ولكن بعض العلماء يشككون في أن منع الغزو كان أولوية فعالة من حيث التكلفة، وعلى الأرجح كان السبب وراء الجدار هو تنظيم الهجرة، ومنع التهريب وسرقة الماشية، وتحصيل الرسوم الجمركية على التجارة، وإمداد الجنود الرومانيين في شمال إنجلترا بعمل يقومون به، وكذلك كان وسيلة لتحصيل إيرادات حكومية لإطعام وتمويل القوات العسكرية، بحسب المؤرخ الاقتصادي مارك ثورنتون زميل المعهد الأسترالي للاقتصاد والأمن والسلام.

‪بقايا سور برلين‬ (الأوروبية)

جدار برلين
ستار برلين الحديدي هو سور بنته سلطات ألمانيا الشرقية الشيوعية 1961 لفصل شطرها من مدينة برلين عن الشطر الآخر التابع لألمانيا الغربية، وظل -حتى سقوطه فجأة 1989- حاجزا بين الشطرين مجسدا أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي والرأسمالي بزعامة أميركا، كما كان رمزا لتمزيق أواصر القربى بين العائلات الألمانية، وأهدر دماء العشرات ممن حاولوا اجتيازه.

لكن الألمان الشرقيين واصلوا طوال ثلاثة عقود محاولاتهم للانتقال إلى الغرب بكل الوسائل من الاختباء في آليات إلى حفر أنفاق أسفل الجدار الذي كان يفصلهم عن عائلاتهم وأصدقائهم فنجح الآلاف منهم في الفرار وأخفق آلاف آخرون.

وخلال الشهور الأولى من عام 1989 شهدت ألمانيا الديمقراطية هروبا شبه جماعي (قدر بأكثر من خمسين ألفا) إلى النمسا عبر المجر طلبا للجوء السياسي، وهو ما أطلقت عليه مجلة نيوزويك الأميركية في حينه "الهروب الكبير"، فكان ذلك أحد الأسباب الممهدة لانهيار جدار برلين.

وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول 1989 خرج عشرات الآلاف في مظاهرات بألمانيا الشرقية ضد نظامها وما لبث عدد المشاركين فيها أن ارتفع إلى مليون، وفي مساء 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989 أعلنت برلين الشرقية فجأة سقوط جدار برلين وفتح الحدود بين الألمانيتين على مصراعيها، فباشر المئات من الألمان هدم أجزاء من الجدار بمعاول بدائية منتقمين من الحاجز الذي حبس حريتهم عقودا، وتدفق عشرات الآلاف خلال ساعات إلى ألمانيا الغربية.

وفي 13 يونيو/حزيران 1990 بدأت رسميا عملية هدم جدار برلين الذي قال عنه ذات يوم رئيس ألمانيا الشرقية السابق إريك هونيكر إنه "سيبقى مئة عام".

وقد مهد هذا الحدث التاريخي الكبير لإعلان إعادة توحيد شطري ألمانيا يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول 1990.

جدران القسطنطينية
عندما سقطت روما أصبحت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية، ولمواجهة التهديدات شيد الأباطرة أكثر أنظمة الدفاع تطورا في العالم حول العاصمة الإمبراطورية من البر والبحر بتكاليف هائلة، لكنها لم تفلح كذلك في حماية القسطنطينية التي أصبحت العاصمة العثمانية بعد فتحها وانكشاف أسوارها.

وعلى الرغم من أن الأسوار صمدت بالفعل أمام محاولات عدة من الحصار والهجوم طوال قرون فإن الجيش البيزنطي شعر بنوع من الخمول والثقة الزائدة في النفس بسبب قوة الأسوار وتحصيناتها، فما من قوة يمكنها اختراق هذه التحصينات المحكمة.

لكن العثمانيين طوروا البارود والمدفع الذي استطاع بالفعل تمزيق الأسوار التي لطالما قاومت الجنود وآلات الحصار وحتى الأنفاق، وفتحت القسطنطينية أخيرا وأصبحت تحصيناتها مزارات سياحية تاريخية للعاصمة العثمانية منذ منتصف القرن الـ15.

جدار ترامب
وتسبب جدار ترامب المقترح حتى الآن بالمزيد من التعقيدات السياسية والأزمات الداخلية ليس آخرها الإغلاق الحكومي وإعلان الطوارئ والخلاف بين الرئيس والكونغرس.

ويطالب ترامب بتضمين مبلغ خمسة مليارات دولار لإنشاء جدار فاصل عند الحدود الجنوبية المتاخمة للمكسيك لوقف الهجرة غير النظامية، في حين يطالب الديمقراطيون بالتركيز على ضبط وتحديث أنظمة مكافحة الهجرة غير النظامية بدلا من بناء الجدار.

والجدار هو حاجز مادي يرسخ العزلة التي تعد نقيض السياسة، ويمكن للأسوار الكبرى أن تبقي الناس خارجها أو تحتفظ بالمواطنين داخلها، لكنها بالتأكيد تسبب نوعا من الفجوة الرمزية والمادية والانقسام مثلما نتج عن جدار برلين سيئ السمعة أو جدار الفصل العنصري الإسرائيلي.

ويقول خبراء إن المعضلة الحقيقية للنمو الأميركي ليست في قوافل المهاجرين عند الحدود وإنما السياسات الخاطئة، إذ يتم تنفيذ سياسات حمائية وأحيانا انعزالية بخصوص قضايا التجارة أو الهجرة من قبل الشعوبيين في كلا الحزبين الرئيسيين في أميركا، وهو ما يعيق التنوع والابتكار والانفتاح ويحد من النمو.

وعلى مدار التاريخ لم ينجح أي جدار في تحقيق أهدافه بشكل كامل أو دائم، ومهما بلغ وطوله وحجمه وقوته فإن البشر سيكتشفون طرقا لتجاوزه سواء من تحته أو من فوقه أو حتى عبر اختراقه، وهو الدرس التاريخي الذي ربما لا يدركه الرئيس الأميركي حتى الآن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شيدت فنانة من مقدونيا جدارا جديدا في ألمانيا يرمز إلى الفصل بين الأغنياء والفقراء، ويقع هذا الجدار على بعد خطوات من مكان حائط برلين الذي كان يفصل شرقها الشيوعي عن غربها الرأسمالي.

10/5/2012

اخترق الرئيس الأميركي دونالد ترمب “سور الإنترنت العظيم” خلال زيارته للصين عندما كتب تغريدة على تويتر في ساعة متأخرة من الليل شكر فيها مضيفيه على كرم الضيافة.

9/11/2017
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة