هل اللغة العربية تحتضر؟

"اللغة مثل الكائن الحي تتغير بتغير قوة أهلها" (الجزيرة)
"اللغة مثل الكائن الحي تتغير بتغير قوة أهلها" (الجزيرة)

حسين نشوان- عمّان

يقال في المثل العربي الدارج "من عرف لغة قوم أمن شرهم"، ولكن تلك المعرفة بالنسبة للغة الإنجليزية المحمولة على القوة والسطوة ربما تضاعف "الشر".

وفي كل الأحوال فإن معرفة لغة أخرى تفتح أمام الإنسان أفقا واسعا، ليس للمعرفة فحسب، وإنما لطريقة التفكير.

ومع ثورة المعلومات والاتصالات وشبكة التواصل الاجتماعي والعولمة بدا الكثير من الأصوات ترتفع متخوفة من منافسة اللغة الإنجليزية للغة العربية (الأم).

وذكرت تلك الأصوات شيوع الكثير من الكلمات الأعجمية في اللغة، وميل بعض الأسر للاعتماد على المربيات الأجنبيات اللاتي أثرن في لغة الأطفال الأم، وأن تلك الأسر تعد اللغة الأجنبية جزءا من رقيها، فضلا على ضعف المخزون اللغوي للأجيال من الشباب العربي بسبب قلة الاهتمام باللغة في المدارس. 

ويشير البعض إلى أن اللغة الأم تتعرض للتهميش لأن كثيرا من لافتات المحال التجارية تختار أسماءها باللغة الأجنبية، وأن متطلبات التوظيف لكثير من المؤسسات تتطلب اللغة الإنجليزية شرطا للتوظيف، وأن مراسلات غالبية تلك المؤسسات وإعلاناتها تكون باللغة الإنجليزية.

‪عمان‬ مجموعة من اللافتات التي كتبت باللغة الإنجليزية لأسماء محال تجارية في العاصمة الأردنية(الجزيرة)

ويفسر البعض أن مثل هذه السطوة للغة الإنجليزية تعبر عن "استعمار" لغوي عقلي يعطل اللغة الأم، ويضعف اللسان.

هل تحتضر اللغة العربية؟
يقر الروائي والإعلامي محمد جميل خضر بأن اللغة العربية تعاني كثيرا من التباس علاقة أهلها بها، ومن حرص فئات وطبقات في مجتمعات عربية بعينها على الانتصار لغيرها كنوع من "البرستيج" وتقليد الغرب.

ويخالف غسان عبد الخالق عميد كلية الآداب في جامعة فيلادلفيا (الأردن) الرأي السابق، وإن اعترف بوجوده، لافتا إلى أن اللغة العربية أبعد ما تكون عن الاحتضار، لأنها ببساطة هي مؤسسة قائمة بذاتها.

ويوافقه الشاعر راشد عيسى أستاذ اللغة العربية بجامعة البلقاء التطبيقية بعدم الخوف على انقراض اللغة العربية، فهي بشهادة بعض الأدباء الأجانب، ومنهم الألماني غوته "حية وخالدة"، لأنها لغة الخيال الشعري، والخطاب المعياري الواقعي.

وهو ما يؤكده عبد الخالق بالقول إن اللغة العربية هي الأكثر انتشارا في العالم بعد "الماندرين الصينية".

اللغة العربية تتعرض للتهميش من قبل أصحاب المحلات التجارية (الجزيرة)

ويعزز عيسى رأيه بالقول إن "اللغات، ومنها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية استقرضت من اللغة العربية آلاف المفردات، ولذا لا يمكن أن يكون المستقرض أقوى من المقرض، فاللغة العربية هي الرابعة في العالم".

ويقر عيسى بأن واقع الأمة عكس حالة ضعفه على اللغة العربية التي تتعرض منذ نصف قرن تقريبا لمزاحمة شديدة من اللهجات المحكية ومن اللغة الإنجليزية بشكل خاص.

لكن جمال الشلبي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة آل البيت، يفسر أن هذه التحديات لا تتوقف على العرب، وإنما تعاني منها الكثير من الدول، منها فرنسا وإسبانيا اللتان أسستا منظمة الفرانكوفونية لمواجهة سطوة الإنجلوسكسونية. ويوافقه خضر بالقول "إن اللغة هي منجز معرفي يتسع بالاستعمال ويذوي تحت ضربات الإهمال".

ويشير الشلبي إلى أن اللغة هي انعكاس للقوة، ولا عجب أن تسيطر لغة من يمتلك القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ويشرح الدكتور عيسى سبب قوة اللغة الإنجليزية في كونها ارتبطت بعصب التجارة العالمية، وكونها لغة وسائل التواصل الاجتماعي، وأشكال الإعلام كلها.

لكن الشلبي يقول إن تلك الميزة ليست مطلقة، لأن تلك الوسائل هي مجرد أدوات وتستعمل فيها العربية.

ومن جهته يقول عبد الخالق إنه "بصرف النظر عن أي دعم رسمي أو غير رسمي فإن هناك عشرات الملايين من العلماء وطلبة العلم الذين نذروا أنفسهم لخدمة اللغة العربية، سواء بوصفها لغة القرآن الكريم أم بوصفها اللغة القومية".

ويرى الشلبي أن اللغة مثل الكائن الحي، تتغير بتغير قوة أهلها، وفي إبان قوة الدولة العباسية (القرن الثامن الميلادي)، كان الملك شارلمان يفخر أن ولي عهده (ابنه) يجيد اللاتينية والعربية، وهو دليل على ارتباط اللغة بالقوة.

ويشدد الدكتور عبد الخالق إن ما يتوهم به الخائفون على اللغة العربية الآن، سبق أن شهدته اللغة العربية وتعايشت مع عشرات اللهجات واللغات المحيطة في القرون الوسطى واجتازت امتحان المنافسة على مر التاريخ، وخرجت من هذا الامتحان منتصرة تماما.

تجربة كندية تنص على مخالفة المحال التجارية التي تكتب لافتاتها بغير اللغة الأم (الجزيرة)

ويقترح خضر جملة من التشريعات، وتعاون المؤسسات التربوية والأكاديمية لحماية اللغة العربية، وهو ما يؤكده الدكتور محمد السعودي بمبادرة مجمع اللغة العربية الأردني الذي استن قانونا لحماية اللغة العربية واستعمالها في الوزارات واللافتات.

ويرد خضر أن المشكلة ليست في القوانين، بل في تطبيقها، ممثلا على التجربة الكندية التي تقوم (شرطة اللغة) بمخالفة المحال التي تكتب يافطاتها بغير اللغة الأم.

ويتساءل كيف يمكن أن نواجه ضعف اللغة في بيئة بعض الأسر التي تشيع فيها اللغة الإنجليزية عن طريق الخادمات، والتباهي بالعجمة، وكيف نضبط الكثير من المؤسسات التي تعلن وظائفها في الصحف المحلية باللغة الإنجليزية، وتشترطها في المؤهلات للمتقدمين حتى لو كانت الوظيفة "سائقا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة