من مراكش للعالم.. أمهات موهوبات على خشبة المسرح

من مراكش للعالم.. أمهات موهوبات على خشبة المسرح

أداء مميز للأمهات الموهوبات على خشبة المسرح في مؤسسة ثقافية بمدينة مراكش (الجزيرة)
أداء مميز للأمهات الموهوبات على خشبة المسرح في مؤسسة ثقافية بمدينة مراكش (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

بعد نهاية عرض مسرحي، يستمر الجمهور في التصفيق طويلا، بينما تحرص "الممثلة" أمينة وصويحباتها في تحيته بانحناءات متتالية.

تشعر هذه المرأة الخمسينية البسيطة التي دخلت عالم المسرح -إلى جانب نساء أخريات- "للتخفف من عناء المنزل"، بكثير من الفخر والاعتزاز وهي تتلقى نظرات الإعجاب تصلها من فنانات وفنانين مرموقين حضروا العرض خلال مهرجان دولي في مراكش.

تقول أمينة بويبرين المنتمية إلى ورشة المسرح بمؤسسة لرعاية الثقافة والتراث في المغرب للجزيرة نت إن "المسرح عالم مبهر.. لم أكن أتوقع أن تتفتق فيه مواهبي بكل هذه البساطة والعفوية".

تحتضن مؤسسة "دار بلارج" (بلارج هو طائر اللقلق) مشروعا ثقافيا واجتماعيا تحت عنوان "أمهات موهوبات"، لإدماج نسوة عبر مجموعة من الأنشطة في الحياة الثقافية وتقوية دورهن في الأسرة.

ومن أجل ذلك، تعمل ورشة المسرح كما تؤكد مديرة المؤسسة مها المادي للجزيرة نت، على توفير فضاء للأمهات -وأغلبهن ربات بيوت من المدينة القديمة تجاوزن الأربعين من العمر- لإبراز مواهبهن في المسرح والتمثيل.

تدريبات الأمهات الموهوبات مع فنانة فرنسية في "دار بلارج" (الجزيرة)

وتبرز مها أن الفكرة لقيت رواجا في المدينة، واستحسانا من قبل المسرحيين، مما أهّل هؤلاء الأمهات لتقديم عروض مسرحية متنوعة في مناسبات متعددة سواء باللهجة العامية أو بالعربية الفصحى.

تسابق مها الجميع وهي تحبس دموع الفرح من أجل تهنئة الأمهات أثناء نزولهن من خشبة المسرح، وتحرص أن تهدي لكل واحدة منهن وردة وحضنا.

من جهته يقول الفنان الكندي من أصل عراقي عمار ديار وهو يهنئ جميع الممثلات "كان الأداء طبيعيا بدون مبالغة". ويضيف للجزيرة نت "لفت العرض نظر الجميع هنا في المهرجان.. إنها مبادرة قابلة للتحليق نحو العالمية".

وتحكي أمينة -وهي أم لولدين وجدة- أنها لم تتوقع كل ذلك النجاح الذي عرفته المسرحية الجديدة، فلم يكن الحضور المميز يشغل بالها، وإنما كان همها أن تؤدي دورها على الوجه المطلوب.

أما الفنانة الجزائرية نعيمة محايلي فتقول للجزيرة نت إن "عفوية هؤلاء النسوة سر نجاحهن.. نشعر أن الوجل يكاد يسيطر على قلوبهن، لكن بعد أن ظهرت أول ممثلة على خشبة المسرح، وتتابع ظهور الباقيات، انفكت العقدة وانطلقن مثل الريح".

تحية الجمهور بعد انتهاء العرض المسرحي الذي قدمته أمهات موهوبات (الجزيرة)


نقطة البداية
بدأت فكرة "أمهات موهوبات" قبل سنوات، حين قررت "دار بلارج" أن تحتضن ورشة "قصرية فش القلب" النابعة من التراث الشعبي، وفيها تجتمع نساء على طعام يطهينه بأيديهن في جلسة حميمية من أجل التنفيس عن كربهن والحكي عن همومهن.

"خلال هذه الورشة التي كانت تقام مرة كل آخر جمعة من الشهر، كان الحديث عن كل ما يحز في النفس وبكل طرق التعبير مرغوبا".

وتضيف المديرة مها أن "مواهب في عدة مجالات فنية وثقافية أينعت في هذه الورشة التي تفرعت إلى ورشات، حتى أصبحت الدار تحتضن ورشتين يوميا تستفيد منهما نحو 140 امرأة".

زهرة عضوة أخرى في ورشة المسرح تقترب من منتصف عقدها السادس، تتلقى الورود والنظرات والفرحة لا تسعها، وتقول للجزيرة نت إن وقوفها على المسرح يشبه المعجزة. وتحكي هذه الأرملة -وهي أم لخمسة أولاد وجدة أيضا- أنه "بعد سنوات عديدة من الكد المنزلي في تربية الأولاد، أصبح المسرح يشكل الجزء الأهم في حياتي".

وتضيف "كنت أنتظر أن يشفق علي الأولاد بزيارة بعد غياب"، لكن الآن تضيف مازحة "فلقائي يكون بموعد".

نفس فرحة أمينة وزهرة تظهر في عيون فاطمة النعاوي التي لعبت دور الراوي، وتقول للجزيرة نت "بعد طلاقي مررت بظروف نفسية صعبة، حتى تسلل الانطواء إلى حياتي. أما الآن فقد استطعت بمساعدة المسرح أن أواجه الحياة والناس بدون خوف وأبدي رأيي بدون وجل".

وتضيف "أصبحت أفرح بنفسي وأقدر ذاتي بعد كل إنجاز، وأشعر أن المسرح مسح ذلك الغبار الذي علق بروحي طيلة سنوات، ليظهر معدن أصيل لامع".

بدورها تعبر محايلي "حين تشاهد العرض، تشعر أن هؤلاء الأمهات يسبحن في عالم جديد، يتحررن من ثقل الجسد ليظهرن خفة الروح".

خشبة المسرح وفرت للأمهات الموهوبات فرصة للتنفيس عن الذات وإبراز ما لديهن من ملكات فنية كامنة (الجزيرة)

"أمهات أم نساء؟".. سؤال يطرحه كل متتبع للمشروع. تشرح مها التي تقول إنها عادت إلى أمها تستلهم منها كل معاني الإنسان الجميلة، مشيرة إلى أن "الأم" في التراث الشعبي لا تقتصر على المفهوم البيولوجي.

إنها تمتد إلى كل امرأة تحضر في فضاء الأسرة وتضع بصمتها على تربية الأطفال، وتتخذ أسماء متعددة تبدأ بالأم والجدة أو الخالة أو زوجة الأخ وغيرهن كثير.

لذا فالأم تحمل معاني متعددة، فهي الأرض وهي الوطن، وهي الهوية، وهي النسيج المجتمعي الغارق في المحبة والتضامن والتآزر.

آفاق
تشعر مها بعد نهاية كل عمل أن ثقلا كبيرا قد خف عنها.. خلال أول موعد في "دار بلارج" بعد انتهاء المهرجان، تجلس الأمهات الموهوبات وهن فخورات بما قدمن، يتبادلن التهاني والنكت وهن يشاهدن تسجيل ما قدمنه أمام الجمهور.

ثم تستطرد مها أن المسرح بالنسبة لهؤلاء النساء وسيلة للتعبير وإيصال الصوت، وطريقة أخرى لتنظيف المتحف الحي الموجود في الإنسان وفي الذاكرة الشعبية.

أما أمينة وصويحباتها فلا يكدن يعرفن أنفسهن حسب تعبيرها، تتملكهن الدهشة، ويحيرنهن السؤال: هل هن فعلا من كنّ على خشبة المسرح، تخرج الكلمات منها فصيحة، والتعابير شديدة وقوية؟!

الأمهات الموهوبات مقبلات الآن على تجربة جديدة في المسرح التجريبي مع الفنانة الهولندية "أناليكا أولند"، من المؤكد أنها ستنقلهن إلى عالم جديد.

المصدر : الجزيرة