فلسطين في شعر الأمازيغ.. غزة والأقصى في القلب

قتل الأطفال في غزة أحد المشاهد التي حركت مشاعر وقرائح الشعراء الأمازيغ (غيتي)
قتل الأطفال في غزة أحد المشاهد التي حركت مشاعر وقرائح الشعراء الأمازيغ (غيتي)
 
لم تمنع المسافات الطويلة الفاصلة بين المشرق العربي والمغرب العربي شعوب هذا الأخير من التعاطف والتجاوب مع كل صغيرة وكبيرة تمور في بلاد الشرق، خاصة ما يتعلق بقضية المسلمين الأولى؛ القضية الفلسطينية. 

 

ويعد الإنتاج الثقافي في المغرب أحد أبرز أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني، وأحد أهم الأسلحة التي يناصر بها الشعب المغربي شقيقه الفلسطيني، ويبقي قضيته حية في النفوس. 

ولم يقتصر هذا التضامن على الإنتاج الثقافي باللغة العربية، بل تزخر به أيضا الذاكرة الثقافية الأمازيغية في المغرب. 

والشعراء والمنشدون والمغنون الأمازيغ في المغرب من أشد المدافعين عن قضية فلسطين، ومن أكثر من أبقوها حية وشامخة في النفوس شموخ جبال الأطلس، حتى أنهم نقلوها للقرى القاصية في قمم الجبال. 

في تلك القمم نادرا ما يهتم الإنسان بغير مأكله ومشربه وماشيته، ومحيطه الضيق الذي قد لا يتجاوز قريته، ولا يلقي بالا حتى للتدافعات السياسية الداخلية التي تؤثر في خبزه اليومي، لكنه في المقابل يعرف -بفضل الشعراء الأمازيغ- أن هناك بلدا مسلما اسمه فلسطين يحتله الإسرائيليون ويقتلون ويشردون شعبه منذ عقود. 

وواكب الشعر الأمازيغي مختلف المراحل والمنعطفات التي مرت منها القضية الفلسطينية، منذ النكبة عام 1948، ثم النكسة عام 1967، ثم الانتفاضة الأولى عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، ثم حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله عام 2002، واغتيال مؤسس حركة المقاومة الإسلامية الشيخ أحمد ياسين عام 2003، وحصار قطاع غزة عام 2007، وما تلاه من حروب على القطاع في ما بعد. 

وسنركز في هذه المقالة على انتفاضة الأقصى وحصار قطاع غزة، ونورد بعض النصوص والمقاطع الشعرية الأمازيغية التي صورت أحداثهما ونقلت للمتلقي الأمازيغي جزءا من معاناة الشعب الفلسطيني. 

ومما اشتهر عن المغني والشاعر الأمازيغي الراحل محمد رويشة (ينحدر من مدينة خنيفرة وسط المغرب) أغنية عن فلسطين ولبنان والعراق، نورد منها هذا المقطع الذي يلخص الشعور الأمازيغي تجاه القضية الفلسطينية: 

ماتّا الزّْمانْ ءي ءيتّْساكّانْ ءيدّا الزّْمانْ ءيغودانْ 

غاسْ ءادْ روغْ ءيمْطّي ءا لُوقْتْ ءاكّانْ مْنيدامْ 

ءيكا الحق ءامّْ ءوحيزونْ ييوْضْ ءاشالْ ءيخوباسْ 

ءالظّلْمْ ءوا توفيدْ ماشْ ءيتّهْزّانْ نّيكاسْ

ماسْ ءاخْدْ ءولينْ ءيشيبانّْ ءيعْدّا ءوخْمّْمْ ديكي

ءاغْيّْرْ ءيدّا ييويشْ ءايا ءافْراحْ زْكْ ديكي

فلسطين ءيخوباسْ ءاتُّويْناسْ ءيكودارْ 

ءايا كْ رولْنْ ءيزْرْياشْ ءا ياعْداوْ ءامازيرْ 

تعريب المعنى 

أي زمن هذا الذي أنا فيه، مضى الزمن الجميل

لا يليق بي في هذا الزمن إلا البكاء

أصبح الحق أعرج يعاني على الأرض

وجدتَ أيها الظلم من يرفعك فوقه

كثر علي الهم حتى شاب رأسي

طرد الحزن الفرح من قلبي

فلسطين معذبة وديارها مدمرة

يفرون ويتركون بيوتهم للعدو 

وفي قصيدة للشاعر الأمازيغي محمد بيسمومين (ينحدر من منطقة مزوضة بإقليم شيشاوة جنوبي المغرب) يعتبر قضية فلسطين جزءا من روحه ويستنهض همة "إخوانها" للدفاع عنها: 

ءَايْهايا تادالّيتْ! فلسطين دْ ووداينْ ءافا ساوالاغْ 

ءاداكْ نْغْرْ ءاربّي زيّْناغْ ءاولْ لّي نْساوالْ 

ءاسيدي النبي محمد ءالعليمْ دْ تيفاوينْ 

ءادْ ءورْ ءينْتاصْرْ وودايْ فْ الحورومْ نْ الشّرْقْ

فلسْطينْ تْكا دارْناغْ الرّوحْنّاغْ 

فلسطين تْرا ءادْ دارْسْ ءيلينْ أيتْ ماسْ 

مْنّاشْتْ نْ يانْ ءادّاغْ فْلاّسْ ءيساوْلْنْ 

بْلْحاقّ غيكْلّي كانْتْ ءورّاتّ ءينّا يانْ 

تعريب المعنى:

يا لهذا الذل! عن فلسطين واليهود أحكي

أسألك يا ربي أن تزين كلامي

يا رسول الله يا ذا العلم والنور

يا رب لا تنصر اليهود على حرمات الشرق

فلسطين أعتبرها بلدي وروحي

فلسطين ترجو عونا من إخوانها

كم واحد تكلم عنها

لكن لا أحد يتحدث فعلا عما تعاني 

وفي أيام انتفاضة الأقصى، التي انطلقت في 28 سبتمبر/أيلول 2000، بعد أن اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون المسجد الأقصى، جادت قرائح الأمازيغ بعدة قصائد، ومن أبرزها تلك التي أنشدتها مجموعة "إنشادن" التي يرأسها "الشيخ" البوغلي، (الشيخ كلمة أمازيغية تعني الشاعر الناظم وقائد الفرقة الغنائية، وينسحب عليها مفهوم كلمة الشيخ عند الصوفية حيث يرى الناس في الشاعر معلمهم ومرشدهم). ومما جاء في هذه القصيدة: 

تْنّا يْسَارْنْ كْ فَلسطين أّورْ داتٌّوداوا مْشْ أٌورْ إيعْفي رْبّي

وَامِيمْشْ إيتّْكَّا بٌويْسْلٍّيوْنْ إِلْعْدُو سْ سّْناحْ إِضْغاسْ الحال؟

إِسْ أُورْ تانِّيم أودايْنْ نْغانْ مِيدّْنْ داتانْخْ نْغانْ تِيوْتْمِينْ؟

وْنَّا يْمي حْرَّانْ إدْمارْنْ آدْغِيفْسْدْ آلي إمْتْمانْ سْ مْشْرْضولْ 

تعريب المعنى:

لا عزاء يسلي عني في فلسطين إلا نصر من الله

كيف لسلاح الحجارة أن يواجه الأسلحة المتطورة؟

ألم تروا اليهود قتلوهم وقتلوا نساءهم؟

من كان له قلب حي فسيموت من الأسى والغم 

وفي مقطع آخر مؤثر من هذه القصيدة، يصف الشاعر معاناة الأمهات الفلسطينيات اللائي يقدمن الشهداء كل يوم: 

أنَّايْخْ كَ التّْلْفَزَاتْ ماداسْنْ إتُّوكَانْ إيْفَلسْطييْن كولّْ

أَمُّوتْنْ إخاتارْنْسْ أيايْدْ الصّْبْيانْ إخْلا دَّانْ سْ إسْمْضالْ

وَايَايْدا يالاَّنْ كَ توتْمينْ داتّْكَّا تاحْيوطّْ أورْتا تْسْخا

وَاخّا تْغُوسْ كَ تاسانْسْ آها تْعايْدْ دِّيخْ آمْرْ تْسامْحْ إِمْمِّيسْ 

تعريب المعنى:

أتابع على شاشات التلفاز ما يتعرض له الفلسطينيون

قتلوا كبارهم وكذلك الصبيان. كم واحد منهم أرسلوه إلى القبور!

كم أم تبكي وتصرخ وأصيبت بالجنون!

تفقد فلذة كبدها لكنها تصبر وتتحمل لوعة الفراق 

وفي القصيدة نفسها ينقل الشاعر مصيبة والدة الشهيد محمد جمال الدرة، الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيلي بعد يومين فقط من اندلاع انتفاضة الأقصى، ويصف تفاصيل عملية القنص التي تعرض لها وهو يحتمي بوالده: 

أداسْ عاقّْلْخْ إتينْ جمالْ مٌحْمْدْ أونَّاتّْ يانّايْنْ إضْنَّا

أوي الْمٌوتْنْسْ أري تْگَا آشْعالْ گّ وولِينْوْ نَّا وْرْ إخْسِّيْن

واتيقّْتّْ نْ لّْغْروبيتْنْسْ أرْگازْ إگانْ أنْسْلْمْ أورتْ إتّْتٌّو

أداسْ عاقّْلْخْ إتينْ جمالْ مٌحْمْدْ أونَّاتّْ يانّايْنْ إضْنَّا

واتينْسْ آدْ سِّيلْنْتْ عاري وْروأُزْگُّونْ إيْمْطّاوْنْ آلّْ فْسينْ

وَلاَّ يْمُونْ دْ بابانْسْ إِگابْلْ إتْسْگا غورْسْ إلاَّ وْرْ إعْوِّيلْ

ولاَّنْ مونْنْدْ آلِّيگْ تْنْ تُومْزْ لْقُّدْرَة سْ الرّْصاصْ آرْ تّْمْسْنْتالْنْ

والّيگْ غيفْسْنْ شاطَّانْ مْسْكينْ دايْبْدو إيْمْطَّاوْن ْإحْرَّانْ

وامْغارْ دا يْسْغويّو خْفْ بَّانْسْ إعْبْرْ إتُّوتّْيْ إتّْشاتْنْ أوتْنْسي

أوي بْضانْتْ دْ تَّاسانْسْ نْغانْتْ إغْدَّارْنْ أورْتْلِّي الْمَحْنّة

آتا ءورامْنّْ إعايْدْ سْعاوْنْ إالصّْبْرْ أمَّانْسْ إدّا غْرْ إسْمْضالْ 

تعريب المعنى:
لن أنسى مصيبة والدة محمد جمال الدرة في تلك الليلة

أشعل مقتله في قلبي نارا لن تنطفئ أبدا

من كان مسلما فلن ينسى لوعة هذه الجريمة

لن أنسى مصيبة والدة محمد جمال الدرة في تلك الليلة

مصيبتها تُبكي الجبال الراسيات وتذيبها

كان يمشي هو وأبوه في الشارع مطمئنين

ولم يشعرا إلا وهما محاصران بالرصاص فاحتميا ببعضهما

ولما اشتد عليهما الرمي بدآ يستغيثان

ورغم الاستغاثة والصراخ في حضن أبيه لم يرحمه اليهود

حرموه من فلذة كبده وقتلوه دون رحمة ولا شفقة

لن يعود فاصبري أيتها الأم واحتسبي فقد سقط شهيدا 

‪إغلاق معبر رفح على الحدود المصرية أحد مظاهر الحصار الذي انتقده الشعراء الأمازيغ‬ (رويترز)

قطاع غزة ومعاناة أهله والأزمة الإنسانية التي تعصف به والحصار الذي يخنقه لم يغب هو الآخر عن إبداعات الشعر الأمازيغي المغربي، فقد تناوله كثيرون ومن زوايا متعددة وبصورة مختلفة، ونكتفي في ما يلي باستعراض بعض المقاطع الشعرية التي نقلت هذه المعاناة. 

ففي إحدى قصائده يتحدث الشاعر محمد بيسمومين عن جرائم أرييل شارون في غزة، وعن قتله الأطفال والنساء وتشريده الآلاف من الفلسطينيين: 

ءيميكّ نْ تْفْرْخينْ مْزّينْ ءاينْغا شارون

شَانْ ءيرْكازْنْ الضّْرْباتْ فْ ءيمي والا ءافوسْ

مّوتْنْ المجاهدينْ تْلْفْنْتْ تْمْغارينْ

ءوفانينْ غزة غْ ءيضْرْ السّلاح نْ ميريكانْ

الضفة الغربية دايمان الموت الموت

هاتي الجزيرة ءادّْ ءيتّصْوّارْنْ غيكانّْ 

تعريب المعنى:

شارون قتل الأطفال الصغار

وقتل الرجال بكل الطرق

قتل المجاهدين وشرد النساء

قصف غزة بالسلاح الأميركي

وفي الضفة الغربية نشر الموت

كل ذلك نقلته قناة الجزيرة 

وفي مقطع آخر يشيد الشاعر نفسه بفصائل المقاومة الفلسطينية بكل توجهاتها، ويعتبر أنها أوجعت الاحتلال الإسرائيلي وحلفاءه الأميركيين، ويقول: 

فلسطين تْكَا الدّولة فْ ءيلاّ الشّرفْ

ءاداسْ ءورْ تالاّتْ ربّي ءارْ فْلاّسْ ءيساوالْ

حماس د الجهاد إسلامي رورْنْ السّمّْ

بّينْ الكْسوتْ ءي وودايْنْ ءولاَ تاشّيشيتْ

ءيلاّ فتح ءوراسْ ءيدْرْكْ يانْ ءيلاّ حماسْ 

تعريب المعنى:

فلسطين دولة لها شرف

لا تبك عليها فالله يحميها

حماس والجهاد الإسلامي تردان الصاع صاعين

نالوا من اليهود وأوجعوهم

وفتح أيضا قوية مثل حماس 

أما المجموعة الغنائية الأمازيغية المسماة "تاربات إيغودان" والتي تغني بلهجة منطقة الأطلس المتوسط، فغنت بدورها أبياتا صورت الدمار، ومما جاء فيها: 

فلسطين تكامْ آمّ ءيكوجيلْنْ وار الوالي

ءونّا كْنْ ءيحْقّانْ كْ الغْروبيتْ ءاون يارونْ

مْشْ ءاسْنْ ءيحْرّا وولْنْسْ ءادْ ءيوْتْ ءفْلاّنّونْ

وا ءادْ جاهْدْنْ ءادْ ءوتْنْ ءودايْنْ ءانْمْعاوانْ

نانّيشْمْ ءا غزة تْقّْنْ تاكوتْ تاغْ العافيتْ

ءيلاّ الكورْ لاّداتْ تّازوفْ تْكّْرْ تيريتْ

كانْتْ الطيّاراتْ النّوبة ءوراسْ تْفوكّامْ 

تعريب المعنى:

أيها الفلسطينيون ما أشبهكم بأيتام لا ولي لهم

من يتأمل المعاناة التي أنتم فيها

ومن كان حرا لا بد أن يدافع عنكم

ولا بد أن يجاهد معكم ويعينكم على اليهود

أرى غزة وقد غطتها سحب النيران

وتقصف بوابل من القنابل وسط العويل

تتناوب عليها الطائرات ولا ينام أهلها

الشعراء الأمازيغ انتقدوا القصف المستمر من الطائرات الإسرائيلية لقطاع غزة (رويترز-أرشيف)

وفي موضع آخر من القصيدة نفسها نجد أبياتا تستنكر الحصار الذي فرض على غزة في أواخر عام 2007، وتوجه اللوم المباشر لمصر بسبب دورها في هذا الحصار:

بّينْ غيفْسْنْ ءوتّشي دْ ءوسّيدّْ ءورْ غورْسْنْ ءامانْ

كان ءيغْريبْنْ دورْناسْنْ وودايْنْ كْشْمْنْ ءامّاسْ

زْكْ مايْدا نْتّاني التّلفزة ءوري تْعْني شَا

مْغارْ دا نْسْغويّو مامي باضْغْ ءالْمْخاليقْ

مغارْ دا نْتّيني تاوادا ءوراسْ نْفوكّا

ءيلاّ ءيعالْمْ غيفي رْبّي داتْنْ ءالّْغْ غيفونْ

ءامصر ءايْتْمامْ ءايْنّا دا تْنْقّْ تْمارا

دّانْدْ ءيمْجْراحْ ءارْ لْبابْنْمْ ءارْتْنْ ءالاّنْ

ءيسْ ءورْ ديكْمْ تاسا نْ وينّا دا تْسْغوسْ العافيتْ

مادْ ءيسْ تْكّدْ ءودايْ ءادْ ءيبْرْمْ ءافْلاّنّونْ

تعريب المعنى:

منعوا عنهم الغذاء والماء وقطعوا عنهم الكهرباء

أصبحوا في غربة يحاصرهم اليهود

أشاهد أخبارهم على التلفاز وأتأثر

لكن ماذا بيدي حتى لو رفعت صوتي بالصراخ؟

حتى لو منيت نفسي بالجهاد فلا أستطيع

يعلم الله أني أبكي لمصابكم

يا مصر هؤلاء إخوانك يموتون أمامك

كم من جريح جاء إلى بابك متوسلا

ألا ترأفون لحال من مزقتهم نيران الحرب؟

أم أنكم تخافون من اليهود؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الشعراء الأمازيغ بالمغرب في أغلبيتهم يصدرون عن ثقافة تعلي شأن القرآن والسنة، ويعتبرون أنفسهم ذوي رسالة تعليمية وتثقيفية وتوعوية للمجتمع، ولا يرون لقوافيهم قيمة إلا ببركة الدين والقرآن.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة