حروب ثقافية تقود للبيت الأبيض.. كيف غير ترامب ثقافة بلاده؟

ترامب بجولة في دير وستمنستر البريطاني (ويكي كومونز)
ترامب بجولة في دير وستمنستر البريطاني (ويكي كومونز)
محمد المنشاوي-واشنطن

لا تتوقف التحولات الثقافية التي تشهدها الولايات المتحدة على هوية ساكن البيت الأبيض، فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية احتفظت أميركا بالريادة الثقافية عالميا غير متأثرة بطبيعة حكم الإدارات المختلفة، ديمقراطية كانت أم جمهورية. 

لكن مع وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض اتسع الاستقطاب الحاد بين القوى الليبرالية التقدمية من جانب وبين القوى المحافظة المتدينة من جانب آخر، ولعب ترامب دورا مركزيا في تأجيج هذا الصراع والاستفادة منه. 

وأصبح الشأن الثقافي الداخلي صراعا ملتهبا بين قوى ليبرالية تتبنى أجندة تقدمية، مقابل قوى محافظة متدينة تتبنى أجندة تقليدية. وبرز الصراع الثقافي ليلقي بظله على قضايا هامة منها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.  

صراع ثقافي
شكل وصول ترامب إلى سدة الحكم صدمة لكثير من الناس حول العالم، إلا أن هذا النصر كتب شهادة ميلاد جديدة للتيارات المحافظة اليمينية بالداخل الأميركي.

وتجتهد هذه التيارات وتحاول إعادة تركيب التاريخ الأميركي ليظهر وكأنه تاريخ صراع مجتمعي على قضايا الهوية والعنصرية والتطرف وتحية النشيد الوطني أو حرق العلم الأميركي أو حقوق المثليين جنسيا، والظهور ضحية لانتصارات متتالية للقوى الليبرالية التقدمية.

وأكد ستيفن بانون المدير السابق لحملة ترامب ومستشاره الإستراتيجي السابق بالبيت الأبيض -في ندوة حضرتها الجزيرة نت- أنه طالما بقيت هناك حرب ثقافية تقسم المجتمع الأميركي، فانتصار الرئيس ترامب مؤكد في أي انتخابات يخوضها.  

ويرى المحافظون أنهم تلقوا ضربات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية من المؤسسات الأميركية الراسخة. فقد تم تقنين زواج المثليين على المستوى القومي في قرار تاريخي للمحكمة الدستورية العليا عام 2015، ليس هذا فحسب بل أصبح هذا القانون مقبولا على نطاق واسع بين الكثير من المؤسسات الدينية. 

وضربة أخرى تلقاها المحافظون وتتمثل في زيادة مستمرة في أعداد غير المتدينين بين مختلف فئات الشعب. كما أصبح الأميركيون أكثر قبولا للمهاجرين الذين زادت أعدادهم بما له من تأثيرات سلبية من حيث الواقع الديموغرافي الجديد الذي يضر بالجمهوريين.

الشعبوية
من ناحيته يتبنى ترامب سياسة شعبوية تلمس العواطف بدلا من العقول. وعلى الرغم من أن دستور الولايات المتحدة يُعد وثيقة علمانية بامتياز تبدأ بعبارة "نحن الشعب" ولا تحتوي الوثيقة على أي ذكر لكلمة الرب أو المسيحية، بل إن الإشارة إلى كلمة دين في الدستور استخدمت على نحو معاكس تماما للتأكيد على عدم التمييز بين المواطنين على أساس عقائدهم، إلا أن ترامب وأنصاره خاضوا ويخوضون عدة معارك باسم حماية الدين. 

وكانت أبرز معارك ترامب التي انتصر فيها باستخدام سلاح الدين معركة تعيين قاضيين في المحكمة الدستورية العليا هما نيل جورستش وبريت كافانو.

ويُعرف عن القاضيين أنهما محافظان اجتماعيا وملتزمان دينيا. وأصبحت كفة المحكمة العليا المكونة من تسعة قضاة تميل لصالح القوى المحافظة، وهو ما قد يهدد قوانين أميركية تقدمية مثل حق الإجهاض وزواج المثليين. وتضمن تركيبة المحكمة الدستورية العليا حماية حق حمل السلاح حتى المتقدم منها (أسلحة أوتوماتيكية ونصف أوتوماتيكية) وذلك على الرغم من ارتفاع وتيرة حوادث القتل الجماعي داخل المدارس.

صحوة دينية
ويؤمن التيار المحافظ الواسع المؤيد لسياسات ترامب أن هناك صحوة دينية داخلية يصاحبها دعوات لدور متنامٍ للدين "المسيحي" في المجتمع، وهو ما يمثل انعكاسا أو صدى لأفكار فريق كبير من الأميركيين الذين يقطن أغلبهم المناطق الريفية أو الجنوب. 

ويقول روبرت جونز رئيس معهد الابحاث الدينية إن نسبة المسيحيين البيض عند بدء حكم الرئيس باراك أوباما في يناير/كانون الثاني 2009 بلغ 54%. ومع بقاء أوباما ثماني سنوات في البيت الأبيض تراجعت النسبة لتصبح 43% بداية عام 2016. 

ويرجع ذلك بالأساس إلى أن الأطفال الأميركيين الآن أقل بياضا وأقل مسيحية مقارنة مع الأميركيين من كبار السن. وتشير بيانات المعهد إلى أن نسبة المسيحيين البيض من كبار السن تبلغ 70% إلا أنها تنخفض إلى 29% بين الشباب الأميركي. 

وعلى الرغم من سلوك ترامب الأخلاقي والقيمي غير المناسب للتيارات الدينية المحافظة، حث القس الشهير جيري فالويل جونير اتباعه على دعم وانتخاب ترامب، وقال "على المحافظين المسيحيين التوقف عن انتخاب مرشح طيب قد يكون قائدا مسيحيا مثاليا. علينا انتخاب قائد محنك مثل ترامب في كل مستويات الحكم لأن الديمقراطيين الليبراليين الفاشيين يلعبون بنا كي ندعم قادة محافظين ضعافا من أصحاب الأخلاق الرفيعة".

اللغة غير اللائقة
تحدثت روز ماكدورميك، وهي معلمة في إحدى المداس الحكومية بواشنطن -للجزيرة نت- وقالت إن أكثر ما يزعجها في الفجوة الثقافية المتزايدة بين الأميركيين هو تطبيع خطاب الكراهية والخطاب غير الأخلاقي. 

وأردفت روز "لم أصوت لترامب، لكن صدمني أن يفوز على الرغم من أنه خائن لزوجته ولعائلته ولأولاده، وعلى الرغم من تهربه الضريبي، وعلى الرغم من خطابه غير الإنساني تجاه المهاجرين".

وترى أن ترامب "طبع بعض ما كان محرما في القاموس اللغوي الأميركي مثل الهجوم على المهاجرين أو على الأقليات الدينية مثلما يحدث مع المسلمين".

وأشعل ترامب منذ وصوله للبیت الأبیض حروبا ثقافیة أهلية داخلیة على خلفیة قضايا تتعلق بالهوية ومعنى أن تكون أميركیا. وجاءت الهجرة على رأس هذه القضايا، ووسط الجدل حول بناء حاجز فاصل ومعاناة الأطفال عند الحدود المكسیكیة، ما زال يعبر الحدود الأميركیة سنويا ما يقرب من ملیون مهاجر غیر نظامي من نفس الحدود، في ذات الوقت التى ترحل فیه السلطات الفیدرالیة ما يقرب من 350 ألف مهاجر غیر نظامي أغلبهم من المكسیك تستقبل أميركا ما يقرب من تسعمئة ألف مهاجر نظامي سنويا.

ويعكس تفاقم قضیة الهجرة وتبعاتها معضلة تغییرات متناقضة شديدة الأهمية يشهدها المجتمع الأمريكي خلال السنوات الأخیرة مع تشدد أنصار سياسات التشدد ضد المهاجرين النظاميين وغير النظاميين، وما يقابله من تحد ليبرالي يطالب بمقاومة هذا التشدد.

وعلى العكس مما يبدو، يفهم ترامب التركيبة المعقدة للمجتمع الأميركي، وكيف أثرت عليه تطورات العقود الأخيرة خاصة فيما يتعلق بنسيجه الاجتماعي واللغوي والعرقي والديني، واستطاعته استغلال خبرته العملية التلفزيونية في اللعب على هذه الانقسامات وتعميق الخلاف حولها. 

تغييرات اجتماعية
ومثل صعود ترامب كذلك غضبا واضحا لما شهدته أميركا من تغيرات اجتماعية وديموغرافية في النصف قرن الأخير. ودفعت ديناميكية المجتمع الأميركي خلال النصف قرن الأخير، والذي هاجر معها ما يقترب من ستين مليونا من دول أميركا الوسطى الكاثوليكية بالأساس وآسيا غير المسيحية بصفة أساسية، وهو ما جعل أميركا ومجتمعها أكثر تنوعا واختلافا عما يعتقد كثيرون.

وبلغ عدد سكان أميركا العام الماضي ما يقرب من 327 مليون نسمة، منهم 60.4% من البيض مقابل 18.3% من الهيسبانيك (مكسيكيون كاثوليك بالأساس) و13.4% من السود الأفارقة، و5.9% من الآسيويين، والبقية متنوعة.

في ذات الوقت انخفضت نسبة البروتستانت من 50% عام 2003 لتصل 36% عام 2017، وفي الوقت نفسه تقلصت نسبة المسيحيين إجمالا لتنخفض من 83% إلى 72% في نفس الفترة. ويرفض الكثير من المتعصبين البيض البروتستانت الاعتراف بواقع أميركا الجديد، ويرون في التغيرات تلك تهديدا وجوديا لهم ولأميركا التي في مخيلتهم الجمعية.

ولم تكف خطابات ترامب العنصرية ضد كل ما هو غير مسيحي أبيض، كي تثني الجمهوريين عن اختياره لتمثيلهم، بل يبدو أنها كانت السبب المباشر والأهم في فوزه الكبير، واكتساحه كرمز ممثلا للملايين من الغاضبين على اتجاه أميركا السريع نحو مزيد من التنوع العرقي والديني واللغوي. 

تبنى ترامب خطابا سياسيا ديموجيا يهز عواطف المواطنين من أجل كسب ولائهم، ولدعمهم ما يُعرض عليهم من سياسات أو توجهات. ولا يُدعم الخطاب الشعبوي الترامبي بمعلومات دقيقة، أو بيانات صحيحة يمكن التحقق من مصداقيتها، إذ إنها تتجاهل عقل المواطن، وتتجه إلى عواطفه بصورة مباشرة.

وقبل وصوله للبيت الأبيض، عرف الإعلام الأميركي ترامب كمرشح متهور جاهل يمثل خطرا وتهديدا للمجتمع والقيم الأميركية، إلا أن فوزه بالرئاسة أكد أن الصراع الثقافي الذي تشهده البلاد بلا توقف منذ سنوات هو الذي مهد الطريق لفوز ترامب بالرئاسة على عكس توقعات النخب السياسية والإعلامية.

من هنا تعد الانتخابات الرئاسية لعام 2020 نقطة فاصلة في الحرب الثقافية التي تشهدها الولايات المتحدة بين المحافظين الجمهوريين في أغلبهم من جهة، وبين التقدميين الديمقراطيين في أغلبهم من جهة أخرى.

المصدر : الجزيرة